الثلاثاء 13-11-2018 21:59:50 م : 5 - ربيع الأول - 1440 هـ
عرب الألفية الثالثة:ثمانية أخطاء في تصريح يمني مؤسف
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و 6 أشهر و 29 يوماً
الخميس 14 إبريل-نيسان 2005 09:02 م
اشعر بارتياح كبير عندما ينبهني صديق إلى خطأ معلوماتي ارتكبته أثناء الحديث عن اليمن في هذه الزاوية أو في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة التي تطلق عليَّ صفة خبير بالشؤون اليمنية بصورة مبالغة أحيانا.فهذه الصفة يستحقها أهل اليمن وحدهم، وما يقولهَّ كاتب مثلي هو بعض مما لدى اليمنيين، وبالتالي لا فضل لي إلا في متابعة الشأن اليمني من خلال الوقائع اليمنية وبالقدر الذي تتيحه ظروفي الخاصة.ويجدر أن اعترف أنني قد لا أصيب دائما في قراءتي لبعض الأحداث المحلية، وقد ارتكب خطأ في التحليل هنا أو هناك لكنه يظل خطأ المحب لهذا البلد وأهله، وفي ذلك بعض التعويض الذي لا يلغي الخطأ بطبيعة الحال.يبقى أن أتوجه بالشكر مع بعض التأخير للأخ عبد القادر القيري الذي اتصل بي أواخر الصيف الماضي أثناء إجازتي في بيروت ليصحح ما قلته على شاشة إحدى القنوات الفضائية حول "المعاهد العلمية" في اليمن وليذكرني بأن هذه المعاهد ظهرت في عهد الحمدي، وليس خلال الفترة الانتقالية كما ذكرت أثناء نقاش متلفز.
أدخل من هذا الباب للحديث عن التصريح المنسوب للدكتور عبد الوهاب الآنسي حول احتمال" التدخل الخارجي" في اليمن على خلفية التمرد" السلالي أو المذهبي أو المناطقي أو الفئوي" في صعدة وقد استعرت هذه الأوصاف من بيان المعارضة اليمنية حول التمرد.وأشير إلى أنني كنت مطارداً خلال الأسابيع الماضية من طرف بعض "السمعيات البصريات" للتعليق على أحداث صعدة من دبي إلى بيروت إلى الجزائر إلى باريس حيث شاءت الصدف أن أتنقل بين هذه العواصم في فترة زمنية قصيرة دون أن أكون قادراً على بذل الجهد الكافي لمتابعة تلك الأحداث بكافة وجوهها وتفاصيلها، لذا عكفت عشية كتابة هذا النص على التأكد من تصريح الصديق الآنسي فتبين لي أن مصادر عديدة قد ذكرته ومن بينها "الجزيرة نت" و"المؤتمر نت" و"سبتمبر نت" و"الحياة" ووكالة الصحافة الفرنسية ومع الأسف لم أتمكن من فتح "الصحوة نت" لأسباب تقنية.
اعترف أنني دهشت لتصريح الدكتور الآنسي وذلك لمعرفتي التامة أنه لا ينتمي إلى تلك الفئة من الساسة الذين يقرأون الحدث بتسرع أو بطريقة انفعالية فهو يدقق في كلماته ويختارها بعناية ولا يطلق كلاماً عفوياً خصوصاً في القضايا الأساسية ولهذه الأسباب اعتقد انه يعني ما يقول، وان ما يقوله ناجم عن قراءة للحدث مناقضة تماماً لطبيعته بل على الضد من معناه وذلك للأسباب التالية:
أولا: إن أية دولة أجنبية تسول لها نفسها التدخل في اليمن يجب أن تكون على قدر خرافي من الغباء، وأن يكون جهلها بالتاريخ اليمني بحجم جبل نقم.فاليمن اختار صنعاء عاصمة له لأنها داخلية وجبلية، ولان اليمنيين لديهم خبرة تاريخية في أن الغزوات الأجنبية تأتي من البحر، وان عاصمة بلادهم لا يمكن أن تكون على شاطئ البحر ما يعني أن العاصمة في الوعي اليمني هي في احد وجوهها خيار دفاعي ضد التدخل الأجنبي، وقد تبين أن هذا الخيار مصيب تماماً خلال التاريخ اليمني اقله في حقبته الحديثة والمعاصرة.لقد تعرض اليمن لغزوات من قوى عسكرية متقدمة عليه، وكان يحطمها على الدوام بأسلحة بدائية ومن يعرف تاريخ هذا البلد يدرك أن الشيء الوحيد الذي يحول أهله إلى بركان هو التدخل والغزو الأجنبي.وان الشيء الوحيد الذي يجب على أية قوة أجنبية ألا تفعله في اليمن هو التدخل والغزو.ولا يظنن احد أن احتلال العراق وضعف العرب يسحب نفسه على اليمن واليمنيين، ذلك أن هذا البلد هزم الأتراك في وقت كانوا يسيطرون فيه على كل العالم العربي والإسلامي.
ثانيا:تزامن صدور تصريح الدكتور الآنسي مع إعلان السفارتين البريطانية والأمريكية عن إجراءات تحفظية بسبب أحداث صعدة أو ربما لأسباب أخرى. والغريب في أمر السفارتين أنها تقفل وتفتح أبوابها بطريقة بهلوانية تنم عن هلع غير مفهوم حتى لا نقول عن سوء نية. إن حجم الضرر الذي أصاب الدبلوماسيين البريطانيين والأمريكيين في اليمن لا يعادل واحد في المئة من حجم الضرر الذي أصابهم في أوروبا بكاملها خلال العقود الثلاثة الأخيرة وربما يعادل واحد في الألف مما أصابهم في دول الخليج المجاورة وعلى الرغم من ذلك تراهم يهرعون إلى إقفال أبوابهم لدى أول إشاعة يطلقها عابر سبيل.هل يعقل أن يرجح أحد تدخل هؤلاء "الصناديد" في اليمن خصوصاً أن الخوف من التدخل الأجنبي لا يضمر تدخل دوقية لوكسمبورغ أو إمارة «موناكو» أو كانتون جنيف.
ثالثا:يعرف الدكتور الآنسي أن ما يحدث في صعدة ينتمي في معناه السياسي إلى عصر آخر غير هذا العصر بل إلى ثلاثة عصور سابقة لهذا العصر فما شأن الأجانب في ما يدور هناك ولماذا يتدخلون؟ثم ما علاقة الأجانب بقضية "البطنين" و"الولاية" والإمام "المفضول" و "الأفضل" و"حكم الجماعة" إلى غير ذلك من المسائل التي طرحت حول التمرد والتي تنتمي إلى التاريخ الإسلامي والفتن بين المسلمين.
رابعا:إذا كان قياس احتمال التدخل الأجنبي في أحداث صعدة مبنياً على أحداث بيروت واغتيال الرئيس رفيق الحريري فهنا الطامة الكبرى.ذلك أن الحريري كان صديقاً لشيراك وبوش ولعدد من الكبار في العالم وكان شريكاً اقتصادياً في عدد من المؤسسات الدولية المهمة وكان يحمل جنسية دولة عربية غنية جدا وكانت لبنانيته متداخلة مع كل هذا البعد الدولي والعربي ولم يصبح التدخل الأجنبي وارداً في قضية اغتياله إلا بعد إجماع الملايين من المتظاهرين المعارضين والموالين على هذا التدخل والمطالبة بان يكون محصورا في معرفة قاتله، أو قاتليه وبالتالي من الصعب مقارنة قضيته بقضية يمنية معزولة وشديدة المحلية.
خامساً:ترافق كلام الدكتور الآنسي عن التدخل الأجنبي مع حديث المعارضة عن ضرورة تشكيل لجنة تحقيق يمنية في الأحداث الأخيرة وكشف الحقيقة حولها ما يوحي أن المصدر يرغب في معرفة الحقيقة سواء عبر الوسائل المحلية أو الأجنبية. وهنا طامة أخرى فأنا أكاد أجزم أن الدكتور الآنسي يعرف تفاصيل ما يدور في صعدة وحقيقة ما يدور هناك أكثر منا جميعاً، فهو عضو سابق في لجنة الوساطة ولأن تيار الإصلاح يحتفظ بأنصار كثر في تلك المنطقة. فهل يجوز التحذير من مغبة تدخل دولي لكشف الحقيقة من طرف يعرف الحقيقة وكامل إخوتها وأخواتها في صعدة؟
سادساً: لنفترض أن الدكتور الآنسي قد أطلق تصريحه لسبب إختباري أي لتبين نوع الإهتمام الأجنبي بأحداث صعدة أو حرصاً منه على مصلحة بلاده وخوفا عليها.ومجال الافتراض هو بالتعريف مجال غير واقعي.هنا ينطوي التصريح على تكرار الخطأ الواحد مرتين. مرة لأن الدكتور يعرف أن الدولة قادرة على وضع حد للتمرد في زمن قصير نسبياً وبالتالي لن تتيح الوقت لتدخل أي كان في هذه القضية. ومرة ثانية لأنه يعرف أيضا أن اختبار نوع الاهتمام الأجنبي بأحداث صعدة يمكن أن يفسر بأنه مناورة سيئة من المعارضة لاستدراج مثل هذا التدخل!!
سابعاً: لنفترض أن التصريح عن احتمال التدخل الأجنبي محصور في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.الافتراض لا يمنح التصريح أسباباً تخفيفية، فالأمم المتحدة باتت سلاحاً في قبضة الأقوياء ضد الضعفاء في هذا العالم.هي تطالب بالانسحاب السوري من لبنان وتشرع احتلال العراق وأفغانستان وتطالب بمحاكمة السودانيين في دارفور وتغض الطرف عن محاكمة الأمريكيين في كل مكان، وعن الإسرائيليين في مجزرة جنين ومذبحة صبرا و شاتيلا .لقد فقدت الأمم المتحدة صدقيتها في نظر الضعفاء دون أن تكسب ثقة الأقوياء تماماً والمستجير بها هو كالمستجير من الرمضاء بالنار. لذا باتت في نظر الشعوب الفقيرة والضعيفة مصدراً للريبة والشك والفساد بعد فضيحة الكوبونات بل وبالاً على مصير دول كالعراق وكوبا ولبنان وسوريا وغيرها فأية منفعة في تدخلها في اليمن؟
لمجمل هذه الأسباب وغيرها ربما كان من الأفضل أن يبحث الصديق الدكتور عبد الوهاب الآنسي عن كلمات مختلفة وعن وسيلة أخرى للتعليق على أحداث صعدة وفي كل الحالات أن يتجنب ذكر الأجنبي في بلد يسود اعتقاد راسخ لدى أهله أن الأذى يأتي دائماً من الأجانب أولئك الذين يمخرون بآلاتهم الحربية عباب البحر.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
الثورة التي أساءوا إليها «2»
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرمسؤولية الجميع
كلمة 26 سبتمبر
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنيةتحية للقناديل المضيئة!!
افتتاحية/صحيفة الثورة اليمنية
مشاهدة المزيد