السبت 17-11-2018 01:44:30 ص : 9 - ربيع الأول - 1440 هـ
لحظة حرية:الديمقراطية أفق حرللتفكيرالنقدي
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 10 سنوات و 9 أشهر و يوم واحد
الخميس 14 فبراير-شباط 2008 08:46 ص
من المثير للدهشة أنّ بعض الذين يقدمون أنفسهم للرأي العام كمدافعين عن الديمقراطية، ما يزالون حتى النخاع مقيمين في كهوف الشمولية. إنّهم يتحدثون في أحاديثهم ومقالاتهم و((مقايلهم)) عن حرية الاختيار، ويصل بعضهم إلى أعلى درجات الإيمان بالحرية القصوى حين يدافعون عن الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وينتقدون معارضيه الذين لا يوافقون هذا الميثاق في تأكيده على ضرورة احترام الحق في تغيير العقيدة..
 لكنهم يشمرون سواعدهم ويرفعون عقيرتهم ضد كل من يغايرهم في مواقفهم وعقائدهم السياسية.. أما حين يقوم أحدهم بمراجعة مواقفه وتجاربه وأفكاره، وتغييرها فإنّهم يقيمون الدنيا عليه ولا يقعدونها!
 بعضهم يحاكم تحولات الديمقراطية بأدوات ومعايير شمولية، ويرفضون ممارسة أي شكل من أشكال المراجعة النقدية الحرة للتجارب السياسية، وهي مهمة ملحة وضرورية . وحين يقوم شخص ما بمراجعة ونقد التجارب الخاطئة بعد ثبوت إفلاسها وضمورها وعدم قدرتها على التطور اللاحق، ينبري الناعقون لاتهامه بالخيانة والتقلب والتلون والخروج عن الجماعة التي تصر على الإقامة الدائمة في الماضي والعيش في قالب جامد ونهائي.
 الثابت أنّ العقائد الشمولية مطلقة وكلية حيث يفترض كل واحدة منها تمثيل الحقيقة واحتكارها.. وحين يغير المرء عقيدته السياسية الشمولية يفقد بالضرورة تلك الحقيقة من وجهة نظر العقيدة السياسية الشمولية التي انتقدها وتحرر منها، ويُعد بالتالي مرتداً تتوجب محاربته وملاحقته وتشويهه حتى يموت حياً.
 لا نفهم كيف يمكن أن يكن ديمقراطياً من يحاكم تحولات الديمقراطية بمعايير الشمولية وأدواتها.. فالديمقراطية هي أفق حر للتفكير النقدي، ومجال مفتوح لحرية الاختيار، وحرية قصوى في مراجعة الأفكار والتصورات والاستعدادات وتداول السياسات والخيارات.
 يصر البعض على الانتساب إلى مدار الديمقراطية بعقلية شمولية ماضوية، ويقدم نفسه كمشروع حضاري للمستقبل.. بيد أنّ هذا البعض سرعان ما يتحول إلى جلاد يوزع تهم الخيانة والانتهازية والتلون على كل من يختار لنفسه طريقاً جديداً بعد طول عناء.
 ماذا تبقى من معنى لمفردات يتم تداولها على ألسنة ودُعاة وحُماة الديمقراطية مثل ((التلوُّن)) في زمن التعددية المفتوح على كل ألوان الطيف؟.. وأي معنى سلبي للتلون حين يصبح الحديث عن ضرورة ضمان الوجود الحي لكل ألوان الطيف في حياتنا، واحترام حرية الاختيار، ورفض الإلغاء والإقصاء والواحدية الشمولية، هو عنوان الإقامة في الزمن الجديد!!.
 ما من شك في أن القرن العشرين المنصرم بتحولات عاصفةٍ ومتسارعةٍ أسهمت في تغيير بُنية العالم، وإعادة صياغة العمليات الجارية في مختلف حقول العلم والفكر والسياسة والاقتصاد والعَلاقات الدولية، وما يترتب على ذلك من ضرورة إعادة تعريف العديد من المفاهيم المتعلقة بقيم الحق والعدالة والحرية والسلطة والثروة والمعرفة والأمن والسيادة.
 في خضم هذه التحولات غير المسبوقة برزت العولمة كمنظومة جديدة من الإشكاليات والتناقضات والعمليات، لتطرح أمام العقل عدداً من التحديات والأسئلة التي تتطلب أجوبة لا تستطيع الأيديولوجية توفيرها، ولم يُعد بمقدور صيغ التفكير المطلقة والجاهزة معالجة معضلاتها.
 لقد أضحت صورة العالم بالغة التعقيد.. فالعولمة تشكل اليوم منظومة عالمية جديدة من العمليات المركبة، حيث تتداخل الأسواق المالية ويتسع الانتقال الفوري للمعلومات والمعرفة عبر تكنولوجيا الاتصالات التي تضغط على الزمان والمكان، ويتكامل نظام عالمي للإنتاج والتسويق بقيادة شركات عملاقة متعددة الجنسيات وعابرة الحدود والقارات، فيما يتم تسويق أجندة سياسية كونية تستند إلى الليبرالية الجديدة في المسائل المتعلقة بالدولة والاقتصاد والثقافة.
 يزيد من تعقيد صورة العالم الذي يتجه بخطى متسارعة نحو ذرى العولمة، أنّه يعاني من بيئة طبيعية غير متوازنة تهدد قدرة كوكبنا الأرضي على توفير حياة آمنة للبشرية . كما تواجه جغرافيا هذا الكوكب تحديات وضغوط العمليات السياسية والاقتصادية الرامية إلى إعادة تنظيم الحيز والمساحة وإلغاء الحدود التي تحول دون حرية مرور رؤوس الأموال ومنتجات الثورة الصناعية الثالثة.
 ولا يخلو العقل من ضغوط التحولات التي تحدث في بُنية العالم وصورته تحت تأثير العولمة، إذ يبدو مهموماً بحراك الخيال العلمي الذي يسعى لاستشراف آفاق غير محسوبة لمجتمع إنساني عالمي يتجاوز الدولة والهوية!
 في سياق كهذا، يتراجع دور ومكانة الثقافة الشمولية، ويزداد مأزق مخرجاتها المصابة بالوهن الذهني والجمود العقائدي والتفكير المعلب، بعد أن تحولت إلى لاوعي معاد للمعرفة، ومدافع عن مشاريع وأفكار بالية أفلست من أي رصيد أو إنجاز قابل للاستمرار.
 إلى أين سيأخذنا هذا العالم المتغير بإيقاع متسارع يفضح عجز منظومة الأفكار الجامدة والسياسات الخائبة والمشاريع البالية أمام مرآة التحولات الجذرية؟ ومتى تقوى على فهمه ومواجهة تحدياته؟
 يقول ابن خلدون في مقدمته الشهيرة : «إنّ أحوال العالم والأمم والناس وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنّما هو الاختلاف على الأيام والأزمنة والانتقال من حال إلى حال.... وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأبصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول».
 لا يعيب الإنسان، كما لا يعيب الأحزاب والحركات السياسية والمفكرين والمثقفين والسياسيين ممارسة الحرية القصوى في النقد الموضوعي والنقد الذاتي ومراجعة الأفكار والسياسات وتجديد طرائق التفكير والعمل، والبحث عن أجوبة جديدة على الأسئلة غير المألوفة التي تطرحها الحياة وصولاً إلى اختيار وجهة التطور.
 بعض العجزة من السياسيين الفاشلين وأنصاف المثقفين المحبطين يخلطون بين التغير والتقلب.. ويتجاهلون أنّ التغير مسار تقدمي وحركة تتجاوز عوامل الاستلاب وتتقدم بثبات إلى ما وراء الأفق.. أما التقلب فهو عبارة عن دورة حلزونية في حلقة مفرغة لا تعرف التجاوز والتقدم.
 أمثال هؤلاء لا يدركون ضرورة إعادة اكتشاف واقع بحاجةٍ إلى كشف، وضرورة إعادة صياغة السياسة وإعادة بناء الفكر السياسي التي يستحيل بدونها فهم الواقع والعالم المحيط به.. إنّهم يجسدون بحق أحد أبرز مظاهر أزمة اللا عقل العاجز عن فهم تحولات التاريخ والوطن والعالم في هذه الحقبة من مسار تطور عصرنا الراهن.
 لا قيمة للسياسة حين تكون عاجزة عن المبادرة والاكتشاف والتجدد.. ولا دور طليعياً للكلمة عندما تتلطخ باللغو والسفاهة، وتحاول تشويه كل من يجترح تعب البحث عن الحقيقة.. ولا مصداقية للصحافة إن هي اختزلت حريتها في العدوان على حرية الآخرين في الاختيار.
 إنّ أخطر ما يشوه الصحافة ويهدد حريتها ويصيبها في مقتل ، هو أن تتحول الصحيفة إلى متجر مفلس يبحث عن ممول، وسقوط الفوارق بين الصحافي والمرابي، وتحويل الكتابة الصحفية إلى مسلخ لتجهيز أباطيل وإفتراءات و وشايات كاذبة لا يجيدها سوى الكتبة المحترفين من ذوي السوابق في سلخ التقارير الأمنية .
 وحين تتحول الصحيفة من منبر للنقاش والحوار إلى إسطبل للرفس والخوار يبدأ العدوان الحقيقي على حرية الصحافة؟
 عندما يدرك الإنسان أهمية الدور الطليعي والمقدام للعقل النقدي، ويتمسك بحقه في ممارسة حرية الاختيار علناً وعلى رؤوس الإشهاد، يصبح أكثر قدرة على عدم الاستجابة للعصاب الذي يصيب ضحاياه بالإحباط والضياع في متاهات اللا وعي، ويدفعهم إلى تعاطي السفاهة لمواجهة كل من يرفض الإقامة في سجن الأفكار الجاهزة والمشاريع البالية.. وقديماً قالت العرب : الوهم حيلة العاجز أما السفاهة فهي حيلة الفاجر والناقص .. ورحم الله المتنبي الذي قال :
 وإذا أتتك مذمتي من ناقص        
                     فهي الشهادة لي باني كامل
 ولا كمال إلا الله .. فهو وحده مالك الحقيقة التي سيظل عباده الصالحون يبحثون عنها حتى يوم الحشر.