الإثنين 24-09-2018 06:22:02 ص : 14 - محرم - 1440 هـ
رؤية للتأمل:الحريات المسؤولة
بقلم/ دكتورة/رؤوفة حسن
نشر منذ: 13 سنة و 5 أشهر و 8 أيام
الخميس 14 إبريل-نيسان 2005 08:58 م
أمانة العاصمة صارت للرجال. فالأمانة مكان تجد فيه نساء اليمن كل ما يبحثن عنه من مشتروات أو خدمات، لكنه جحيم من الزحام والمضايقات. فالنساء في هذه المدينة يعانين في وقت واحد من صعوبات الحياة ومن مضايقات الرجال. فهي مدينة يسكن فيها 121 رجلاً مقابل كل امرأة حسبما أعلنته النتائج الأخيرة للتعداد. وطبيعي ان يكون هناك زيادة في عدد الرجال في العاصمة فهم بالضبط أغلب هؤلاء التي قالت النتائج انهم غير موجودين في تعز وإب وريمة لأنهم موزعون بين صنعاء والمهرة وعدن. ومن خلال رسالة مطولة لقارئة تكتب لهذه الزاوية للمرة الأولى تدعو فيها الى ضرورة وجود قوانين تحمي حرية النساء في الحركة والتنقل وحتى سهولة البيع والشراء في الأسواق، وخاصة في أمانة العاصمة، أناقش بتفصيل ما جاء في هذه الرسالة.
فلأنني كنت منخرطة حتى أعمق تأملاتي في مسألة الحريات، وفي الأضرار التي اوقعتها القوانين المدّعية حماية الحريات، فقد كنت أميل أكثر الى أن تفرض الحياة نفسها تقاليد ووقائع تتناسب مع مستجداتها دون تدخل قانوني.
تماماً كما يفعل أغلب مخططي المدن الحضرية من اليابانيين، حيث يضعون المبنى ولا يشقون الطريق إلاّ بعد تأمل خطوات السائرين العادية التي تقرر أقصر الطرق أو أفضلها أو أكثرها امتاعاً للعين، بعدها يرصفون الطريق التي شقها المشاة.
لكن القارئة أمل بهجت ترى أن زيادة الرجال حسب أرقام التعداد تعني ضرورة إعادة النظر في كثير من البديهيات والمسلمات السابقة للتعداد. فبشأن الحرية، صار من الضروري إصدار قوانين للحد من حرية الرجال في التصرف بالطرقات العامة مثلا. وتقترح بقولها" ربما يكون ملائما مثلا منع الرجال من السير بسياراتهم أو على الأقدام في بعض الشوارع التي ترغب النساء السير فيها بآمان كشارع جمال أو ميدان التحرير، وفي بعض الحدائق كحديقة السبعين والحديقة المتغيرة الأسماء دوماً المجاورة لوزارة الداخلية".
ولا يبدو أن القارئة أمل بهجت وحدها هي التي تتأمل في نتائج التعداد السكاني وتترجم فهمها للنتائج الى قيود على حريات الرجال، بل إن الكاتب النشط حافظ فاضل الذي يواصل ابحاثه في بولندا قد كتب مقالا مطولا في موقع إيلاف على الانترنت، جاء فيه «أن نتيجة تعداد السكان التي تؤكد على زيادة أعداد الرجال تحتم تقييد حرية الرجال في الزواج الثاني كي يتركوا فرصة للرجال غيرهم في الحصول على نساء يمكن لهم الزواج منهن»، أي أنه أيضا يطالب بمزيد من القيود للحريات التي سبق للرجال ان اكتسبوها وحققوها لأنفسهم حتى لو سببت الضرر لبعضهم البعض. فهي حريات أغلبها حتى الآن حريات للإضرار والضرار وليست حريات مسؤولة.
الحرية في الغابة
في يوم خمسة من شهر ابريل أعلنت الأمم المتحدة تقريرها الذي تأخر كثيراً عن حالة العرب وتنمية بشرهم، وسيكون تركيزها على مسألة الحرية. وقصة الحرية في هذا المكان من العالم لها مشاكل متعددة. فهي من ناحية لم تعد عن الفروق بين العبيد والاحرار، لأن العبودية بمفهومها القديم قد انتهت. فلم نعد نعرف سوقاً للنخاسة واضحاً صريحاً يدفع الضرائب عن أعماله مقابل بيع البشر، وعرضهم أمام المشترين للحصول على أعلى الأسعار. بل صار أمر بيع البشر يتم بطرق أخرى أحياناً تحت دعوى تزويجهم، وأحياناً تحت دعوى توظيفهم.
وصارت مسألة الحريات تأخذ بعداً سياسياً محدوداً، لأمر لم يكن في الماضي البعيد محل جدال، وهي حريات الحركة، أو التنقل، أو التعبير، أو النشر، أو التظاهر، أو التجمع، أو الاضراب، أو التحزب، أو إنشاء التجمعات والجمعيات.
وحتى في هذا البعد المحدود لا يبدوا تقرير التنمية البشرية العربي الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي متفائلاً جداً. فالسجون لا تزال صناعة مزدهرة، وطرق القمع حتى في المحاكم تتطور كل يوم على نحو مذهل.
والأحرار هم الآن من يملكون سلطة الإضرار بالغير. وكأن الفهم للحرية قد زال عنه الشعور بالمسؤولية، وصارت حرية القوة والعنجهية حتى لو تعدت على حريات الغير.
حرية العرب القادمة
السير في شارع من شوارع المدينة بآمان صار بحاجة الى قانون. لكن الخوف ممن ينفذ القانون يجعل الخوف من السير في الشارع أقل خطورة من اللجؤ الى قسم الشرطة، أو الرفع بقضية لتنفيذ القانون خاصة بالنسبة للنساء.
وقد أعجبني تعبير الدكتور عبد الكريم الإرياني وهو يساهم بالحديث عن قراء تقرير التنمية البشرية العربي بقوله إن البعض ينزعج من الرماد الذي تثيره رياح التغيير فيلعن الريح. وبالتأمل في هذه العبارة، وفي الرماد الذي يزعج القارئة أمل في الشوارع ويزعج الكاتب حافظ في الأسرة المقسومة بين زوجات ليس لهن حرية الاختيار، أرى فرصة لنقاش الحريات تفاعلاً مع آلام العيون من رماد الواقع، بدلا من اللعن والغضب على دعوات التغيير والخوف من رياحه؟
سوف اكتب عن الموضوع في العدد القادم بتفصيل أكثر مع أمل أن يتواصل القراء معي بأرائهم قبل ذلك.
mailto:raufah@hotmail.com