الأربعاء 19-09-2018 13:32:31 م : 9 - محرم - 1440 هـ
نعم للتسامح الحقيقي
بقلم/ بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
نشر منذ: 10 سنوات و 8 أشهر و يوم واحد
الخميس 17 يناير-كانون الثاني 2008 08:58 ص
التسامح قيمة دينية ووطنية وإنسانية كبرى، إذ إنه مرتبة فوق مرتبة العدل، إنه يتساوى مع مرتبة الإحسان، والتسامح ضد الكراهية بكل مستوياتها، ولذلك فإنه لا يمكن أن تجتمع الدعوة الى التسامح والدعوة الى الكراهية، فالانسان السليم هو الذي يدعو الى التسامح ويقف ضد كل دعوات الكراهية مهما كانت أسبابها ومبرراتها،
إننا نقف مع من ينادي الى تحقيق تسامح حقيقي في ذكرى 13 من يناير المشؤوم، فلا أحد يستطيع أن ينكر أن ما حدث في 13 يناير 1986م قد مثل أعلى مستويات الكراهية والبشاعة، لكن من يحاولون استغلال ذكرى هذه الأحداث لإشاعة كراهية جديدة فإنهم بكل تأكيد لم يتعظوا ممّا حدث في ذلك اليوم الأسود في تاريخ اليمن.
إن ما حدث في ذلك اليوم لم يكن صراعاً سياسياً عادياً بالمعنى المعروف بل كان يمثل جريمة ضد ا لانسانية وجريمة حرب غير مسبوقة في العصر الحديث، فطرق القتل فيه ووسائله لم تراع أيا من قوانين الحروب وأعرافها، فالغدر كان سمة من سمات هذه الأحداث، وقد كانت المبالغة في القتل العمد هدفاً لهذه الاحداث ولذلك لم يراع أي من المتحاربين حرمة لأي مدني ولم يحترموا حقوق المدنيين ولا حتى حقوق الأسرى، فلم تكن هناك حصانة ولا أمان لأحد، فحتى المحايدين لم ينجوا من جحيم تلك الاحداث فقد كان يتم القتل بالبطاقة.
لا أحد يستطيع أن يقلل من حجم المعاناة التي تعرض لها جميع سكان المحافظات الجنوبية والشرقية جراء هذه الاحداث، فقد وصل عدد القتلى الى الالاف، وقد وصل عدد الجرحى الى أضعاف ذلك بكثير، أما الترويع فقد شمل الجميع بدون استثناء ولم يتوقف الترويع بتوقف الأعمال الحربية التي أستمرت لمدة عشرة أيام بل امتد الى ما بعد ذلك بكثير من خلال الملاحقات والاعتقالات والاعدامات التي تلت الاحداث، ولم تقتصر آثار هذه الاحداث على الجوانب المتعلقة بالقتل بل امتدت آثارها الى مجالات أخرى مثل الحصار وانعدام الأغذية والأدوية والمياه والكهرباء وانتشار الجثث في الشوارع وعدم تمتع القتلى بأبسط حقوقهم العادية أي حقهم بالتغسيل والتكفين والدفن في مقابر المسلمين.
لقد كان لهذه الاحداث آثار كبيرة لم يستطع الزمن محوها، وربما يعود ذلك الى أن مقتضيات العدالة لم تحقق فقد كان تحقق ذلك يتطلب إقامة محاكمة عادلة للذين تسببوا فيها على الأقل وعلى جرائم الحرب التي ارتكبوها في أقل تقدير، ولأن العدالة لم تجر مجراها في ذلك الوقت فإن من حق المتضررين أن يطالبوا بتحقيقها في الوقت الحاضر، وكما هو معروف فإن الجرائم ضد الانسانية وكذلك جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم وبالتالي فإنها ستظل مفتوحة ولن تغلق إلا بمحاكمة أو تسامح حقيقي.
وإذا كانت القيادة السياسية بعد الوحدة ولدوافع وطنية قد حاولت إغلاق ملف هذه الأحداث من خلال تشجعيها للتسامح بهدف تقوية اللحمة الوطنية فإن بعض المشاركين في هذه الأحداث قد وقفوا حجر عثرة أمام توفير متطلبات التسامح الحقيقي، إن أهم متطلب له هو السعي للحصول على عفو أو تسامح الضحايا، فالحق في العدالة هي حق للضحايا ولا يستطيع أحد أن يتنازل عن حقوقهم سواهم.
وكذلك فإن الحق في المسامحة هي حق لهم وحدهم، ومن عجيب الامور أن يسعى من شارك في هذه الاحداث لأن يتسامحوا فيما بينهم وكأنهم هم الضحايا فلا معنى لمسامحة تتم بين الذين ارتكبوا الأحداث.
فكما هو معروف فإن هناك ثلاثة شروط للتوبة وهي الاعتراف بالخطأ والندم على ارتكابه والاصرار على عدم العودة اليه.. ولا شك أن هذه الشروط هي شروط للتسامح الحقيقي وحتى الآن فإن الذين  شاركوا في هذه الاحداث لم يعترفوا بأخطائهم ولم يندموا على إرتكابها ولم يصدر منهم ما يدل على عزمهم على عدم تكرارها بل على العكس من ذلك فهناك من يبرزها وهناك من يسعى الى تكرارها من خلال تبني خطاب الكراهية ضد بعض أجزاء اليمن.
ولكي يحدث تسامح حقيقي فإن على من شارك في هذه الاحداث أن يعترف علناً بجرمه وأن يعتذر عن تسببه في إيذاء الآخرين بأي شكل من الأشكال، فحقوق المواطنين لا تسقط إلا بتحقيق العدالة أو بالحصول على عفو ممن لحق بهم الأذى.. من الممكن أن يعفو العديد ممن تضرر من هذه الاحداث إذا اعترف مرتكبوها بأخطائهم وأظهروا ندمهم على ماصدر منهم تجاه اخوانهم ومواطنيهم وكذلك أظهروا مايدل على عزمهم بعدم العودة الى مثل هذه الممارسات.
إن كل إنسان شريف لا بد وأن يناصر أيّة محاولة للتسامح بشرط أن تكون هذه المحاولات صادقة وملبية لكل متطلبات التسامح الحقيقي.
وما دام أن الله قد شاء أن يحق الحق ويزهق الباطل فلا بد من العمل على تحقيق تسامح حقيقي، فها هي المطالبة بالتسامح تأتي ممن مارس الإذلال ضد الآخرين، ولذلك فإن على القيادة السياسية أن لا تقف عائقاً أمام تحقيق التسامح الحقيقي بحجة المصلحة الوطنية، فقانون وقرارات العفو ا لعام يجب أن لا تقيد فقط الضحايا.. فإذا لم يتقيد بها الذين شاركوا في أحداث 13 يناير فإن من حق الضحايا أن يكونوا هيئات تتولى المطالبة بإنصافهم.
إن عليها من وجهة نظري أن تتيح للضحايا في الحصول على حقوقهم بعد أن رفض الذين شاركوا في الأحداث إعلان التوبة الحقيقية.
ولذلك فإن على ا لقيادة السياسية أن تحذو حذو جنوب إفريقيا على أقل تقدير، إن عليها أن تشكل لجان تسامح ومصالحة مستقلة من بين الذين لم يتورطوا بشكل مباشر أو غير مباشر في الاحداث، ففي هذه الحالة فإنه يمكن تحقيق تسامح حقيقي وينبغي أن تكون المهمة الأساسية لهذه اللجان العمل على جمع الذين شاركوا في هذه الاحداث مع الذين تضرروا منها بحيث يعترف كل من شارك فيها بما قام به ويظهر ندمه على ذلك وعزمه على عدم تكرار ذلك.
إن ذلك هو أقل ما يمكن أن يرضي الضحايا ويحقق حداً أدنى من العدالة.
لا شك أن عملا كهذا سوف يحقق السلام الاجتماعي، فمن ناحية فإنه سيساعد الضحايا على نسيان بعض الآلام التي تعرضوا لها وسيكون رادعاً لكل من يحاول تكرار هذه المأساة وسيعمل على إزالة الأوهام التي تدفع بالبعض الى تكرار هذه الممارسات، ولذلك فإنه يجب أن يقول الجميع نعم للتسامح الحقيقي، ولا لتسامح مزيف يعمل فقط على خلق بؤرة جديدة للكراهية تدفع في اتجاه تكرار المأساة مرة ثانية.
نقلاً عن «الايام»