الجمعة 21-09-2018 07:38:17 ص : 11 - محرم - 1440 هـ
قمة الجزائر.. هل بدأ التعافي العربي؟
بقلم/ استاذ/سالم صالح محمد
نشر منذ: 13 سنة و 5 أشهر و 26 يوماً
الخميس 24 مارس - آذار 2005 10:38 م
هذا عنوان لمقال كتبته قبل تسع سنوات وهو عنوان لكتاب أصدرته قبل ثلاثة أشهر يحتوي على مجموعة مقالات هي ملامسات لشؤون عربية ودولية.. كان من أهمها مقال كتبته بهذا العنوان: متى يبدأ التعافي العربي بصحيفة الحياة العربية الصادرة في لندن بتاريخ 23 يونيو 1996م قبيل عقد إحدى القمم العربية تناولت فيه تداعيات الوضع العربي آنذاك بعد تداعيات غزو العراق للكويت ومجيئ حزب الليكود إلى الحكم في إسرائيل. ورأينا في توحيد الموقف العربي القائم على عقلية وأرضية عربية ودولية تتمكن من تحقيق المطالب والحقوق العربية الواضحة وأهمية رسم سياسية واقعية علمية تُخرج الخطاب السياسي والعملي من مرحلة العواطف الجياشة والانفلات السياسي العشوائي أمام عدو منظم يعرف ماذا يريد بعد عقود وكانت الآمال كبيرة حينذاك..
فما الذي حدث خلال التسع السنوات الماضية على الصعيد العربي والقطري؟! هل تعافت الأوضاع العربية أم ساءت نحو الأسوأ؟ هل استطاعت القيادات العربية الحاكمة أن تتحكم في إصلاح الأمور أم أن العجز هو السائد؟ هل نهج الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على صعيد كل قطر عربي وتطبيق ملموس للاتجاه الديمقراطي الذي يدفعه دفعا تيار العولمة العالمية ومنجزات التطور التكنولوجي الهائل هو الذي سيوصل إلى تحقيق التعافي في الوضع العربي؟ أم أن العمل العربي المشترك الرسمي، وإلى حد ما دور المؤسسات العربية ذات الطابع القومي سوف تقدم الآليات لخلق هذا التعافي الذي بدا بعيد المنال!!.
لقد حصلت خلال السنوات الماضية حروب وتطاحن وانتكاسات طالت أقطار عربية عدة أهمها احتلال العراق من قبل الجيش الأمريكي والبريطاني، وسقوط مبدأ العمل المشترك والدفاع المشترك مما أدى إلى سقوط التوازن القائم بين العرب وإسرائيل في تحقيق سلام شامل ودائم وفي إعادة الحقوق للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة.
إلا أنه رغم هذه المشاهد المدمرة فقد حصل في الآونة الأخيرة بعض التقدم في العلاقات العربية العربية من خلال تشجيع وقبول المبادرات العربية التي تهدف إلى إصلاح بيت العرب (الجامعة العربية)، وهذا الحال مرتبط تمام الارتباط بالعوامل الموضوعية الخارجية والأوضاع الذاتية لكل قطر عربي.. فما حصل قبل أشهر من نجاح للانتخابات العراقية والتي تمت تحت (الاحتلال) وكذا الانتخابات الفلسطينية وإن تمت تحت الاحتلال أيضا والاتفاقية التي تمت بين شمال السودان وجنوبه بضغط دولي.. وبداية تعافي الصومال الشقيق وإعادة صياغة العلاقة بين سوريا ولبنان على أساس اتفاقية الطائف وقيام المملكة العربية السعودية بانتخابات المجالس المحلية، وتبني الحكومة الكويتية حق المرأة في العمل السياسي وإقدام مصر على حق الترشيح للانتخابات الرئاسية ومواجهة ظاهرة الإرهاب وانحسارها.. جميعها إضاءات ينبغي الإشادة بها بل وصيانتها وتطويرها كخطوات تسير نحو الطريق الصحيح.. واستحقاقاتها القادمة ستخدم ولا شك تعافي الأوضاع القطرية وستشمل التعافي العربي العام..
في مؤتمر القمة الذي انعقد بالجزائر قبل أيام قدمت اليمن تصوراتها العملية والمتواضعة في إصلاح ما يمكن إصلاحه في المؤسسات العربية القائمة.. كما قامت من خلال اللقاءات التي أجراها فخامة الرئيس علي عبدالله صالح مع أشقائه من قادة البلدان العربية قبيل عقد القمة بدور ملموس في إنضاج وبلورة الموقف العربي الرسمي للتعامل مع مجريات العصر وتشجيع العمل باتجاه قيام القيادات العربية الرسمية بقيادة الإصلاحات المطلوبة داخل كل قطر على حدة وأيضاً خلق علاقات ديمقراطية جديدة في العمل العربي المشترك يتناغم مع ما يدور داخل كل قطر وبتعامل موضوعي مع ما يدور في هذا العالم.
والمعروف أن الرئيس علي عبدالله صالح من الزعامات العربية التي لها خبرة طويلة وعلاقات واسعة عربيا ودوليا ومبادر بتلقائية وشفافية عالية، ولذا فإنه قد تناول مع القادة من أشقائه العرب كافة الأمور بصراحة ووضوح وكمثال لهذه الصراحة نورد في هذه المقالة ما قاله الرئيس علي عبدالله صالح لرئيس الوزراء العراقي السابق السيد محمد الزبيدي في آخر لقاء تم بحضرموت قبل احتلال العراق: بلغوا الرئيس صدام حسين مايلي:-
(أن نموت على مذبحة الديمقراطية أفضل لنا من الموت على مذبحة الدكتاتورية).. وهي رسالة صادقة قاسية لا نعلم هل وصلت إلى مسامع الرئيس السابق أم لا، لكنها تعبر عن أن هناك من القادة ممن يطرحون المسائل المعقدة بوضوح بحكم الشعور بالمسؤولية الوطنية والقومية، وبالمخاطر التي تواجه أوطاننا بعيداً عن المجاملة التي اعتادها العرب في لقاءاتهم، وفي نفس الوقت تنم عن الشعور بمدى أهمية التغيير ولو كان عسيرا. وفي وطن كان ولا زال بعض الإقطاعيين يملكون ليس الأرض فقط ولكن البشر. ويمدحون المخلوق أكثر مما يمدحون خالقهم، بل أن الإنسان العربي هو من أكثر الناس على وجه الأرض تعرضاً للانقسام وأكثر حياته تذهب للمجاملة والنفاق، يجامل ويعيش حياة انفصام ظاهرها غير باطنها.. كل ذلك أساسه الاستبداد والطغيان في العلاقات بوجه عام والعلاقات القائمة على الاستهلاك والمفاخرة والاستعلاء واحتقار المنتجين في العمل والفكر.
ينطلق اليمن في هذا الأمر الحيوي بل يستند في هذا الظرف الذي تسير وتيرته بسرعة عالية إلى تجربته الناشئة وهي المتواضعة ولكنها الطموحة في تثبيت النهج الديمقراطي الذي لو شجع عربيا خلال السنوات الطويلة الماضية لكانت النتائج باهرة في التغلب على الكثير من العقبات وأهمها مشاكل الفقر والتخلف والنواقص التي تواجه التجربة اليمنية وهو بهذا الاتجاه لا يطرح تجربته التي هي جزء من العمل والحق العربي من باب المزايدة على أحد أو استعداء أحد أو المفاخرة على أحد، لأن ما يتم في اليمن هو أولا ضرورة داخلية للتغلب على موروث وتركة الماضي وما أكثر تراكماته، ولأهمية النهوض الوطني في مسايرة -وإن لم تكن- غير متكافئة مع النهوض الذي يشهده العالم اليوم.
هناك من داخل اليمن ومن خارجه من يكتب وبكل حرية أن القيادة اليمنية تحاول من خلال القيام بهذا الدور الهروب من المشاكل الداخلية التي تواجهها وهناك من يطرح داخليا وبصوت عال من أن ما يتم داخل اليمن هو عمل من الأعمال التي تحاول إرضاء الخارج وبالذات الدول المانحة!! هناك من يطرح أن هذا الدور أكبر من قدرة اليمن.. وهناك وجهات نظر كثيرة نحترمها ولكنها لا تراعي أهمية ترابط الأوضاع الداخلية بالخارجية وأن بداية مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة وأن إضاءة شمعة في ليل حالك ونفق مظلم أفضل من إطلاق اللعنات والشعارات.
ولأن أوضاعنا العربية متشابهة خاصة في الثقافة السائدة وموقفها المتخلف من الديمقراطية بأشكالها الحديثة أو القديمة إذ كنا ولا زلنا أسرى الموروث الهائل من التخلف في شتى مناحي الحياة أصاب الذهنية العربية بالشلل بما انعكس على المشاريع القائمة العربية والإسلامية وأصابها بالفشل الذريع حتى انطبق علينا قول الشاعر العربي القديم الذي رثى شورى الملكة بلقيس التي ورد ذكرها في القرآن الكريم بقوله (وشاورهم في الأمر)، (وإنما أمرهم شورى بينهم) بقوله:
إن الطغاة بلاء حيثما حلوا
             فلا يكن لك في أكتافهم ظل
ماذا تؤمل من قوم إذا غضبوا
           جاروا عليك وأن أرضيتهم ملوا
وأن مدحتهم خالوك تخدعهم
          واستثقلوك كما يستثقل الكل
فشلت كل محاولات فرض طريق القوة في العلاقات الداخلية وبين كل قطر وآخر والطريق الجديد الذي بدأت ملامحه تظهر بقوة شديدة هو طريق العلاقات القائمة  على الحرية أساسها الحرية القطرية الداخلية ببناء نظام ديمقراطي داخل كل بلد وهي المرحلة الضرورية للمرور من (القناعة الذاتية) في التعامل بين الناس لأنها تعبر عن حرية الفرد- الإنسان وربطها بالاتجاهات الأساسية لحرية أوطاننا وعالمنا.
شق الطريق ومواصلته بهذا المنحى في إيجاد تعاف عربي ليس بالسهولة تحقيقه ولا أيضا بالتمنيات وإنما بالعمل العقلاني الدءوب والمثابر والشجاع، إنها ضرورة لا بد منها وبالحوار والرأي والرأي الآخر يمكن حل معضلاتنا بدلا من استخدام أساليب القوة والإرهاب واحتكار الحقيقة والسلطة والمال العام.. وتدمير إمكانات هائلة في صراع لا يوصل إلى حل مرئي على الإطلاق ولا يخدم أحداً إذا ما أخذنا أن الإنسان هو أخو الإنسان في المحصلة النهائية.
غير مستبعد مسألة فرض الإصلاحات من الخارج، بل وإن لم تنفع الوسائل الدبلوماسية والإعلامية فقد يتم اللجوء إلى عملية (الكي) كما حصل في العراق والعياذ بالله.. إنما هذه الحالة ليست قدراً ينبغي قبوله، فلا زال لدينا الإرادة والوقت لإصلاح حالنا والتعامل مع الآخرين من خلال رؤى مشتركة في عالم أصبح صغيراً وأصبحت وسائطه ووسائله ورأسماله أكثر ترابطاً وقرباً يستخدم التكنولوجيا والعلوم المتطورة في خدمته.. لاغيا بذلك علاقات سابقة أصبحت في متحف التاريخ الإنساني.
إن عالمنا العربي بحاجة إلى النهوض – نهوض عصري في جميع المجالات وأولها مجال التعاون العربي وتطوير آلياته..
ذلك ما قلناه قبل سنوات وبعد أحداث 11 سبتمبر، وتحول العنف والإرهاب إلى ظاهرة عالمية أثرت في العلاقات بين الشعوب والحضارات فلا بد من الاعتراف بأننا لسنا لوحدنا في هذا العالم وعلينا التعامل الإيجابي مع كل الظواهر الإيجابية التي تخدم البشرية بشكل عام.. ولا يوجد ما يمنع من العمل المشترك مع الآخرين على أساس المشاركة الفعلية لتطور هذه الظواهر والاستفادة منها. أما أن ننعزل بارتياح إلى حالنا وإلى أن عدد 70 مليون عربي هم في مواقع الأمية، ونصف سكان العرب من النساء هن تحت ظلم العلاقات الاجتماعية القائمة ونزيلات المنازل وملايين العاطلين في أغلبية البلدان العربية والإسلامية تنهش هياكلهم علاقات رأسمالية طفيلية تقوم على الفساد المالي والإداري ومنابع الفقر والجهل هي المواقع الثابتة التي تفرخ يوميا ظاهرة الإرهاب والثأر والعنف والتطرف وأنصاف المتعلمين لا تعنينا وكل هذه الظواهر السلبية في الحياة العربية ما لم توضع لها الحلول الاستراتيجية داخل كل قطر وبين قطر وقطر وبالتعاون مع العالم المتحضر والمنظمات الدولية والإقليمية وتركها بدون معالجات عاجلة وعملية لا يجعل الآخرين يحترمون خصوصياتنا، وإنما تشكل المبرر الأساسي في التدخل الخارجي بشؤوننا.
أن تأتي نتائج القمة العربية في الجزائر بقرارات في مستوى مواجهة الأوضاع ومعالجتها هو أمر عظيم يصب في مجرى إصلاح الأوضاع العربية وتعافيها متزامنا ومؤيداً -وإن على استحياء- إصلاحها وتعافيها بالعلاج الشعبي والطب البديل والكيميائي من قبل أطباء يقومون بتمثيل تيارات شعبية مختلفة متجاوب لتيار العولمة العالمي في معظم اتجاهاته القائمة..
* مستشار رئيس الجمهورية
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عقيد/ جمال محمد القيز
أوراق متساقطة في الساحل الغربي
عقيد/ جمال محمد القيز
مقالات
مأساة لبنان.. نظرة من موسكو
أوليغ بيريسيبكين *
مشاهدة المزيد