الجمعة 21-09-2018 03:00:22 ص : 11 - محرم - 1440 هـ
رؤية للتأمل:الخروج من الكهف
بقلم/ دكتورة/رؤوفة حسن
نشر منذ: 13 سنة و 6 أشهر و 3 أيام
الخميس 17 مارس - آذار 2005 08:47 م
أن تدخل زمن الكهف ولا تخرج منه فهو أمر، وأن تدخل كهف حقيقي طوله ثلاثة كيلومترات، هو أمر آخر. وزمن الكهف الافتراضي، وكهف سوقطرى الحقيقي يستحقان معا كثيراً من التأمل.
ففي برنامج الأربع وعشرين ساعة للقناة الفرنسية الخامسة التي حشدت لها الزميلة خديجة السلامي كل جهودها لتطلق حملة سياحية وإعلامية لتحسين وجه اليمن، أطل زمن الكهف رغماً عن كل الجهود. وفي جزيرة سوقطرى، تسلقت أنا وصديقاتي الثلاث، تلة خلف تلة حتى وصلنا أعالي الجبل فدخلنا الكهف الحقيقي، و للمرة الأولى عندما تعمدنا الصمت وإطفاء مصابيح الإضاءة التي كانت معنا، اختبرنا ما الذي يعنيه الظلام الكامل المطلق الأسود التي لا تخالجه قطرة شعاع.
في البرنامج الفرنسي للقناة الخامسة تعرض طلاب قسم اللغة الفرنسية الذين قبلوا المساهمة في حوار مفتوح بهذه اللغة للدلالة على نجاح هذا القسم في تعليمها، لاختبار لم يتوقعوه في فهمهم لحقوق الإنسان التي لا تعلمها الجامعات ولا تكتسب من الشارع اليمني أو الثقافة السائدة. فكانت التجربة صعبة وكان لزمن الكهف أثر أكبر من أن تخفيه حروف اللغة الفرنسية المكتسبة.
زمن الكهف
أطلت الكاميرا على ديوان مستطيل، مخلوط بالزخرفة الصنعائية في الجدران البيضاء، مع العقود فوق النوافذ الملونة، ومع طابع يتميز به الفرنسيون من أصول شامية أولبنانية ليمنح المكان مذاقاً شرقياً بلمسة راقية. وفي صدر الديوان تربع المذيع الفرنسي الشهير فردريك ميتران، وعلى جانبيه جمهوره من طلاب اللغة الفرنسية اليمنيين الذين سيحاورهم.
كانت الفتيات على جانب، والفتيان على الجانب الآخر. وبدأ الحوار سهلاً، بالحديث عن الجوانب الايجابية في الغرب. وكأن مصطلح الغرب أمر مسلم به لكل تلك الكيانات الواسعة المختلفة من العالم. فأي غرب؟ . لم يعبأ الطلاب الجمهور بالمصطلح ووقعوا في شباكه، وبمجاملة وأدب شكروا ما تخيلوه غرباً قاصدين فرنسا. فكان الغرب حسب تعبيرهم، حضارة وتقدماً وتكنولوجيا، وحقوق إنسان. ولم يناقش المذيع هذه الثوابت في رأيه لأن أمراً آخر هو الذي كان يرمي إليه. جاء السؤال التالي عن سيئات الغرب، وعلى استحياء تحدث من يملكون الجرأة عن امتصاص الغرب لثروات العالم الثالث، وعن منع النساء من ارتداء الحجاب في فرنسا، وعن العنصرية ضد المسلمين، وهنا لم يتمكن المحاور الإذاعي الشهير من امتلاك نفسه ونسي الحياد فصار ضيوفه هم الشرق، وصار هو الغرب وانبرى للدفاع عن فرنسا وعن الحضارة الغربية، وقدم للطلاب محاضرات لا بأس بها عن كل نقطة سلبية أثاروها.
وبعد ذلك قلب المائدة في وجوههم ليجعلهم يتحدثون عن تعصبهم كعرب ومسلمين ضد نسائهم، وعن رفضهم لحق البشر الآخرين في أديان أخرى غير الأديان السماوية الثلاثة التي أعربوا عن تسامح كبير تجاه القبول بها، وعن تبرمهم دون انتباه من الحقوق الفعلية للبشر.
وفي خلال ذلك تتسلط الكاميرا عن قرب شديد الى وجوه الفتيات المنقبات وبالذات تلك التي تظهر عيناها حداً عالياً من التوتر تتقلص فيها الحدقتين كلما حاولت التعبير عن أفكارها فخانتها اللغة المستعارة. وكانت الكاميرا تقول أنه توتر تعصب وانغلاق، أو ربما توتر مضطهدة تعاني من ضغط النقاب، لا نتاج معاناة مع اللغة.
لعين الغرب الذي سيشاهد مثل هذا الحوار كان هؤلاء نموذجا لفكر منغلق يعيش زمنا لكهف لم يخرج منه بعد ولم يكتسب حتى الكلمات الزائفة عن حقوق الإنسان في التسامح والقبول بالآخر. هل المشكلة لغة؟ أم المشكلة مناهج؟ أم المشكلة واقع انغلق على نفسه فظن أن ما يسود فيه هو فكر منفتح على العالم ومتقبل للتعايش معه والاحترام لجوانب الاختلاف فيه؟.
الكهف الآخر
تقول الوثائق العلمية عن جزيرة سوقطرى انها انفصلت عن القارة الأفريقية والجزيرة العربية قبل عشرين مليون عام. وكهف الجزيرة أعلى سلسلة الجبال، الذي يمتد طويلا، وتقطر من سقفه مياه تتكلس ذرات من ملايين القطرات خلال سقوطها، فيبرز عنها ثآليل كلسية بيضاء شبه ثلجية جامدة، وينتج عما يقع منها على قاع الكهف تراكم أعمدة كلسية مقابلة، وتلك الأعمدة التي بدأ تساقط القطرات المتشكلة منذ زمن طويل، صارت ملتصقة مع السقف ملتوية على نفسها بما يشبه عمودا دائريا شديد الكثافة عريض القطر يأخذ عددا من الخطوات ليمكن الالتفاف حوله. وأعمدة أخرى في طريقها للتكون، لقطرات بعضها يتشكل الآن وبعضها يسجل للجيولوجيين الأزمنة المختلفة للتشكل.
بعد سير طويل جلسنا قليلا للراحة. طلبت من زميلاتي والدليل السوقطري الذي كان يرشدنا، أن يطفئوا مصابيح الاضاءة التي معهم، وبدون طلب صاحبوا الظلام الدامس الغامق الأسود الكثيف الذي أشعرني وكأنه قابل للمس، بالصمت. بدت لي جلستنا في عمق الكهف الطويل والواسع في الظلام كعمر مديد. رغب الجميع في العودة، وقبل الخروج من الكهف التقينا صحفياً فرنسياً تلفزيونياً للقناة الأولى يعد برنامجا عن الطبيعة في اليمن. من تجربتي أدعوكم لاختبار الظلام الحقيقي مادمتم تعرفون الافتراضي، ولا ضرورة لتصويره.
.raufah@hotmail.com
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عقيد/ جمال محمد القيز
أوراق متساقطة في الساحل الغربي
عقيد/ جمال محمد القيز
مقالات
كلمة 26 سبتمبر:الديمقراطية.. كيف؟!
مشاهدة المزيد