الخميس 15-11-2018 19:24:16 م : 7 - ربيع الأول - 1440 هـ
صنعاء مدينة مفتوحة... للمدنيين وحدهم؟
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و شهرين و 8 أيام
الخميس 06 سبتمبر-أيلول 2007 07:41 ص
 تبرم بعض كتاب "المارينز" العراقيين من مداخلاتي المناهضة للاحتلال الأمريكي لبلاد الرافدين بعد أن جعلوني وزيراً في التشكيلة الوزارية العراقية الأولى التي كانت مرشحة لإدارة العراق المحتل وقد شرحت هذا الأمر في مقال نشرته في هذه الزاوية في حينه. ولامني سوريون من الطرفين على مواقف وآراء تتصل بالصراع في بلادهم وحولها
وامتعض أكراد من احتجاجي على "استكراد" العرب والامتعاض يصح جزئيا لأن تعبير "الاستكراد" المتداول في بلاد الشام يعني" الاستغباء" وبالتالي لا يجوز التعميم في هذا المجال تحت طائلة السقوط في العنصرية وهو أمر مؤسف فعلاً.
وحصل أن عبّر أحد اليمنيين عن ضيقه بمقال نشرته في هذا الزاوية ورأى أنني أزج أنفي في الشؤون اليمنية. و زعم بعض الأصدقاء الفلسطينيين أنني أميل لطرف أكثر من طرف في الصراع الدائر، وعاتبني سودانيون وموريتانيون على تراجع متابعتي لشؤونهم الداخلية وا نتقدني ذات يوم جنرال متقاعد على عبارات وردت في مقال كنت قد كتبته قبل سنوات طويلة عن الجزائر، أما مواطنو لبنان فحدث ولا حرج.. الخ. وفي السياق لو قيض لفرنسي أو بريطاني أو أمريكي أن يسير على الرسم نفسه لقال ما سبق القول وربما أكثر، هذا إذا أردنا إغفال الشتائم والأوصاف التي يستحق أصحابها الشفقة وإذا أغفلنا بالمقابل عبارات التأييد والمجاملة التي لا تحسم الشيء الكثير في مصير الرأي والقول. ذلك أنني وغيري ممن يعملون في حقل التحليل السياسي لا مفر لنا من تناول الشؤون العامة في العالم العربي، وكل ما يتصل بها فهي تعنينا مهنياً بحكم العمل وتعنينا سياسياً بحكم الانتماء والهوية وأحيانا تمس مشاعرنا وعواطفنا إيجابا وتثير أحيانا أخرى غضبنا وامتعاضنا وذلك تعكسه النصوص المنشورة والمداخلات والمشاركات التحليلية شبه اليومية في الوسائل السمعية والبصرية.
كان يمكن لهذه الإشارة أن تكون بلا أساس لولا بقايا التفكير العربي الريفي الضيق الذي يتضاءل ويتقهقر بسرعة البرق أمام ثورة الاتصالات التي اقتحمت عوالمنا دون استئذان ودفعت قضايانا كلها إلى ساحة النقاش والجدل والتقدير والتقييم والسجال والأحكام، ولعل الثورة نفسها انتزعت الحق الحصري الذي كان يحتكره كاتب واحد في شأن واحد دون غيره وجعلته شأناً عاماً وبالتالي موضوعاً للبحث والنظر والقول بلا حدود وقد لجأ بعض المفسرين لسيادة العولمة الوافدة مع ثورة الاتصالات إلى نظرية "الكاوو " التي تقول ان حركة جناح فراشة في الصين يمكن أن تتحمل مسؤولية ما في "أوراغان" كاترينا وأرجو إن يكون تلخيصي التقريبي لعنوان هذه النظرية صحيحاً وليس مخلاً. عموماً نحن بحاجة إلى إعادة تقييم جدية لطرق النظر في شؤوننا العربية وفي شؤون بلداننا كل على حدة. مع الإشارة هنا إلى أن أحداً لم و لن يسألنا رأينا في ثورة الاتصالات ومفاعليها وفي العولمة ونظامها.
 ونصادف النظرة الريفية إلى بعض قضايانا في العديد من المناسبات في وسائل الإعلام .مثال أول: سمعت عراقياً يقول عشية الاحتلال أن الرئيس الراحل صدام حسين لا يعطيه شيئا من المدخول النفطي العراقي، وان الاحتلال يمكن أن يسرق جزءاً من النفط ويعطيه جزءاً ولو يسيراً وبالتالي الاحتلال أفضل من صدام. استغل المحتل وعملاؤه هذا النوع من التفكير الريفي لتبرير الاحتلال الذي قاد العراق بنفطه وبشره إلى الهاوية.
 مثال ثانٍ: يقول البعض في أكثر من بلد عربي: الاستعمار الأجنبي أفضل من الدولة المحلية الظالمة. هل يمكن لأحد سوي العقل إن يحلم بعد العراق بعراق آخر؟
مثال ثالث:يقول البعض ان الخلافة الإسلامية هي الحل لمشاكلنا لكنه ينسى أنها كانت تسيطر على نصف العالم من آسيا الوسطى إلى جنوب أوروبا ووسطها وما حولها فهل تكون حلاً بلا عالمها.؟
خلاصة القول في هذه النقطة أن الثقافة السياسية البائسة أو الريفية في مثالنا قد تكون في بعض الحالات أشد خطراً علينا من مدافع الأعداء وأسلحتهم النارية الفتاكة على اختلافها.
مدن اليمن بلا سلاح ناري
....وأخيراً حزمت الحكومة اليمنية أمرها وقررت جعل العاصمة ومراكز المحافظات الأخرى مجردة من السلاح.تفيد ردود الفعل الأولية أن إجراءات تطبيق هذا القرار تمت بلا صعوبات تذكر ما يعني أن مراكز القوى الاجتماعية التي كانت تعترض على هذه الخطوة باتت اليوم تباركها فما الذي تغير بين الأمس واليوم؟
أغلب الظن أن العديد من الرموز الاجتماعية اليمنية والتي كان السلاح الظاهر تعبيراً عن نفوذها صارت اليوم مساهمة في اقتصاد السوق أو مستفيدة منه و بالتالي صارت مندمجة في وجهة علاقات جديدة نامية مع الانتقال إلى السوق وعلاقاته و بعبارة أخرى صارت شروط وجودها الاجتماعي مختلفة أو هي بصدد أن تصير ومع هذه الصيرورة لم يعد دور السلاح في عرفها كما كان من قبل.
من هذا الباب يدخل اليمن مرحلة جديدة تماماً وكدت أقول منعطفا جديداً لولا دواعي الحذر التي يفترضها المدى الزمني اللازم للحكم على المسار التطبيقي لقضية حمل السلاح الفردي في المدن اليمنية.في كل الحالات وعلى الرغم من التعثر الذي يمكن أن يقع هنا وهناك لا يمكن لليمن العودة إلى الوراء في هذه القضية التي أمست ممراً إجبارياً إلى الأمام.
 أما الدرس الذي يمكن أن توفره هذه الخطوة فهو يتشعب في الاتجاهات التالية:
أولا: تبين هذه المبادرة إذا نجحت أن رهان الدولة على دمج القبائل في اقتصاد ومجتمع السوق كان صائباً فهو المدخل الوحيد الصالح للتعاطي مع النفوذ القبلي في البلاد، ذلك أن استخدام القوة والإجراءات الإدارية الصارمة والحملات العسكرية ليست سوى العصا التي لا يمكن أن تقهر قوة بحجم القبائل اليمنية، ألا إذا ترافقت مع جزرة مغرية ساعتئذ يمكن وضع الأطراف المعنية أمام خيارين وحملها على اختيار الأحسن.
ثانيا: لقد تبين أن نمو المدن المتسارع خلال العقدين الماضيين أدى إلى ترييف العلاقات المدينية ويلاحظ أثر هذا الترييف في النصوص الأدبية(قبيلي يبحث عن حزب) وفي بعض المرويات التي سمعها كاتب هذه السطور ومنها أن أحد المسؤولين فوجىء بجيرانه المنتقلين حديثاً إلى الحي الراقي الذي يسكنه يربون الدجاج في طابق علوي الأمر الذي تسبب بانتشار الحشرات والروائح الكريهة. لذا كان على المعنيين أن يستجيبوا لشروط وقواعد السكن والتعايش في الحي لا تتحمل هذا النوع من الأنشطة أو أن يختاروا بيئة ملائمة لها فكان أن اقلعوا عن ذلك. أما الجيل الجديد من الحزبيين ذوي الأصول القبلية في المدن فهو عموما لا يتطابق مع الأوصاف الواردة في النصوص النقدية ومن أبرزها النص المشار إليه.
ما من شك أن ملامح الصورة المدينية اليمنية لا تقاس مع مثيلاتها الغربية (هل يجوز أصلاً القياس.؟) لكنها في سبيلها للانتظام في سيرورة لا تتحمل العودة إلى الوراء. والثابت أن السياسة الماهرة التي اعتمدتها الدولة في مواكبة هذا التحول بإجراءات تنظيمية كانت تبدو تلقائية ولا مبالية في ظاهرها إلا أنها تبدو اليوم شديدة الفعالية لتناسبها مع الظروف المحلية .
ثالثا:إذا جاز القياس على ما سبق فانه من غير المستبعد أن يستقل مراهقون من ضواحي العاصمة يتابعون دراستهم التكميلية والثانوية في صنعاء القطار في مرحلة التعليم الجامعي أو بدايات الانخراط في سوق العمل.
رابعا: لقد بات التخلي عن المظاهر المسلحة في المدن حاجة اقتصادية قاهرة وضرورية لمراكز النفوذ المنخرطة في اقتصاد السوق كما لغيرهم من فعاليات السوق ويمكن أن تشفر هذه الحاجة بمداخيل سياحية واستثمارات عقارية ووسائل اتصال ونقل والمزيد من التحسينات في البنية التحتية .. الخ.
خامسا : يمكن لهذه الخطوة أن تعزز من حضور ودور النخب في المدن وتساعد على تطوير البنية التحتية الملائمة لنمو الطبقة الوسطى التي ترتفع منها اليوم كل أصوات الاحتجاج الصاخبة.
على الرغم من التواضع الذي طبع هذه الخطوة و على الرغم من اندراجها في مرتبة ثانوية بين أحداث صعدة ومشكلة المتقاعدين فإنها ربما تكون الأهم حتى الآن في ولاية الرئيس علي عبدالله صالح الجديدة.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كلمة 26 سبتمبر: الحديدة غراد
صحيفة 26 سبتمبر الاسبوعية
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
اللواء / علي محمد الكحلاني
وهج:اليمن.. عصية على العدوان
اللواء / علي محمد الكحلاني
مقالات
كلمة  26 سبتمبرلا للفوضى
كلمة 26 سبتمبر
كاتب/احمد ناصر الشريفالعرب والواقع المشلول!!
كاتب/احمد ناصر الشريف
كاتب صحفي/عبدالله الصعفانيالمعارضة اليمنية.. يا لطيف "والودّافة
كاتب صحفي/عبدالله الصعفاني
كاتب/خير الله خيراللهميليشيات على مد العين والنظر...
كاتب/خير الله خيرالله
استاذ/عباس الديلميالوحدة.. والمشاريع الصغيرة
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد