الأحد 18-11-2018 03:19:13 ص : 10 - ربيع الأول - 1440 هـ
طبول المواجهة بين المناطق الرمادية والزوايا الحادة
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 11 سنة و شهرين و 11 يوماً
الخميس 06 سبتمبر-أيلول 2007 07:36 ص
كان على وثيقة التنسيق التحالفي على طريق التوحد بين المؤتمر والاشتراكي أن تكتسب شرعيتها النهائية بتصديق أعلى الهيئات القيادية للحزبين، حيث عقدت اللجنة الدائمة للمؤتمر دورتها الاستثنائية الثالثة عشرة خلال الفترة 8-10 يونيو 1993م، وأقرت بالإجماع في أول اجتماعات تلك الدورة وثيقة التنسيق التحالفي على طريق التوحد، ولوحظ أن اللجنة الدائمة أعلنت هذا القرار في اليوم الأول من اجتماعات تلك الدورة التي استمرت ثلاثة أيام ولم تنتظر حتى نهايتها.
وفي مقابل ذلك أصيب علي سالم البيض بنكسة موجعة ولعلها كانت مدمرة، حيث طرحت هذه الوثيقة أمام الدورة الثلاثين للجنة المركزية، التي انعقدت في صنعاء خلال الفترة من 19 - 21 يونيو 1993م، وكان لافتًا للنظر أن هذه الوثيقة طرحت للنقاش في آخر جدول أعمال تلك الدورة، حيث تعرضت لمقاومة ضارية من قبل جناحه الشمالي (حزب الوحدة الشعبية سابقاً)، والذي نجح في منع حصولها على تصديق اللجنة المركزية والاكتفاء بالترحيب بها والتأكيد على «ضرورة توفير الظروف المناسبة لاستمرار العلاقة بين المؤتمر والحزب»، بدلاً من التنسيق التحالفي على طريق التوحد بينهما.
 كانت المناقشات في اللجنة المركزية قد بلغت مستوى حاد أكد فيه التيار المعارض لإتفاق التنسيق التحالفي مع المؤتمر بقيادة الشهيد جار الله عمر وآخرين على ضرورة أن ينتقل الحزب إلى المعارضة، إذا كان بقاؤه في السلطة يتطلب تحالفه مع المؤتمر على طريق التوحد.
كعادتهم، لم يدرك الذين تصدوا لهذه الوثيقة ماذا يعني خروج الحزب من السلطة إلى المعارضة في تلك الظروف التي كان عود الوحدة فيها لايزال طريًا، فيما كانت أجهزة الدولة المدنية والعسكرية تنتظر طريقًا غير ممهد لاستكمال توحيدها.
وكعادتهم دائمًا لم يدركوا الكلمات الأخيرة التي تحدث بها علي سالم البيض والكآبة باديةٌ على وجهه بعد رفض اللجنة المركزية التصديق على وثيقة التنسيق التحالفي على طريق التوحد، حيث حرص البيض في نهاية آخر دورة يترأسها في صنعاء على تذكير الحاضرين «بأن نجاح الحزب في المحافظات الجنوبية كان نوعًا من التعبير عن وفاء جماهيره في المحافظات التي حكمها لمدة ربع قرن».. ثم شدد بعد ذلك على مسؤولية الحزب تجاه حماية الوحدة.
غادر البيض غاضبًا وكئيبا إلى منزله في العاصمة صنعاء بعد ختام تلك الدورة.. وعندما أرسلت سكرتارية اللجنة المركزية إليه مسودة البلاغ الصحفي الصادر عنها أصرعلى إ ضافة العبارة السابقة التي قالها في نهاية الدورة بقلمه، ثم امتنع بعد ذلك عن استقبال أي من رفاقه أو الرد على أية مكالمة هاتفية بحجة إصابته بوعكة صحية !!.
وبعد أربعة أيام من نهاية الدورة وإحتجاب علي سالم البيض عن الظهور، أعلن تلفزيون صنعاء مساء يوم 25/6/1993م أن نائب الرئيس غادر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة خاصة للعلاج دون أن يبث تسجيلا لمغادرته.
غاب علي سالم البيض عن اليمن خلال الفترة من 25 يونيو 1993م حتى 19 أغسطس 1993م زار خلالها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا والأردن، ثم عاد بعد ذلك إلى عدن حيث بدأ الفصل الأول والأخير من تجربة الائتلاف الثلاثي التي بدأت يوم 30 مايو 1993م عندما وقع كل من المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي والتجمع اليمني للإصلاح على وثيقة الائتلاف الحكومي التي فرضتها نتائج انتخابات 1993م وأعلن عن وفاتها رسمياً يوم 4 مايو 1994م بعد سنة موتورة بأخطر أزمة سياسية شهدتها البلاد منذ وحدتها.
وخلال تلك السنة التي حكمتها سلطة ائتلافية ثلاثية مفترضة حاول الحزب الاشتراكي أن يجرب خروجًا مؤقتًا من السلطة في صنعاء إلى المعارضة في عدن، بيد أن هذا التجريب لم يخرجه من السلطة فقط، بل أخرجه من الوحدة مؤقتًا بإعلان بيان الانفصال الذي أقره المكتب السياسي في عدن بغياب البيض الذي انتقل في بداية الحرب الى المكلا، ثم قام المكتب السياسي بإرسال قرار الانفصال مع خطاب يقضي بتكليف الأمين العام للحزب بإعلانه من مقر إقامته في المكلا، في الحادي والعشرين من مايو 1994. واللافت للنظر ان علي سالم البيض أخذ معه كل الوثائق المهمة عند إنسحابه الى سلطنة عمان لكنه حرص متعمدا على ترك بعض الوثائق الخطيرة ومن بينها وثيقة التكليف بإعلان قرار الانفصال في مقر إقامته في المكلا، لكي يعرف الطرف الآخرحقيقة الذين حاولوا أن يتبرؤوا من مسؤوليتهم عن هذا القرار الخطير من خلال الاتصالات التي فتحوها مع الرئيس علي عبدالله صالح في الأيام الأخيرة من الحرب بعد ان اتضحت هزيمة مشروع الانفصال !!!
ولولا إصرار الرئيس علي عبدالله صالح على إنقاذ الحزب وإعادته إلى الوحدة بعد فشل مشروع الانفصال، و حرصه على إعادة تأهيله للعودة إلى المعارضة، وصموده -أي الرئيس- في مواجهة الأصوات المتطرفة التي انطلقت من داخل حزب (الاصلاح) و طالبت بحله وتصفيته، لكان الحزب قد واجه مصيراً مجهولاً ومأساوياً.
بعد انتهاء حرب صيف 1994م التي ارتبطت بتداعيات الأزمة السياسية وإعلان الإنفصال، خرج الحزب الاشتراكي اليمني رسميًا وعمليًا من الائتلاف الثلاثي الذي شكل التجربة الثانية للمشاركة في السلطة بعد قيام الوحدة وبناء النظام السياسي التعددي، وانتقلت السلطة على إثر هذه التطورات إلى حكومة ائتلاف ثنائي من المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح برئاسة الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني، حيث استمرت هذه الحكومة الائتلافية من يوليو 1994م حتى مايو 1997م.
اختلفت محددات التجربة الائتلافية الثالثة للمؤتمر الشعبي العام عن التجربتين السابقتين، فقد استند المؤتمر في تجربته الأولى إلى عدد من المحددات وأهمها اشتراكه مع الحزب الاشتراكي في مشروع وطني جديد استهدف توحيد دولتي الشطرين في دولة واحدة على أساس دستوري تم الاستفتاء عليه من قبل الشعب، وإقامة أول نظام سياسي ديمقراطي تعددي منذ قيام الثورة اليمنية (26سبتمبر - 14أكتوبر)، فيما استندت التجربة الائتلافية الثانية بين المؤتمر والاشتراكي والإصلاح إلى محددات أخرى إضافية، وأهمها ترسيخ تقاليد المشاركة في السلطة على قاعدة الاستحقاقات الانتخابية، وتحويل الانتخابات إلى قيمة سياسية معيارية تدخل ضمن المحددات الشرعية لهيئات الدولة والسلطة. 
بيد أن المشاركين في تلك التجربة لم يعطوا اعتباراً كافيًا للخلافات الجوهرية في برامج أطراف الائتلاف، حيث لم يكن هناك حد أدنى من التوافق في برامج هذه الأطراف الثلاثة المؤتلفة (أو المؤّلفة)، ما أدى إلى تحميل ذلك الائتلاف صواعق تفجير في داخله!!.
أما التجربة الثالثة فقد كانت محكومة بظروف الأزمة السياسية والحرب الأهلية، ويمكن القول أن الاختلاف الجوهري بين برنامجي كل من المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، لم يحُل دون إقامة شراكة ائتلافية ثنائية على قاعدة إجراء تعديلات دستورية، سبق لوثيقة الائتلاف الثلاثي بين المؤتمر والاشتراكي والإصلاح أن نصت عليها في أواخر مايو 1993م.
  والثابت ان تجربة الائتلاف الثالثة لم تكن مثالية بسبب اختلاف رؤية كلٍ من طرفي الائتلاف لقضايا التطور اللاحق، وسبل معالجة مصاعب النمو وتعزيز الوحدة الوطنية، وتفكيك البنى المعيقة للديمقراطية، والاندماج في البيئة الاقليمية والاقتصاد العالمي.
الدستور بين التعديل والتعويم
  نجح المؤتمر الشعبي في تحديد المضمون الرئيسي للتعديلات الدستورية باتجاه تحديد شكل الرئاسة، وتعريف ضمانات التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة، وتأكيد الحرية الاقتصادية وحقوق الإنسان، والالتزام بالمواثيق والتشريعات والنصوص القانونية الدولية التي تضمن حقوق المواطنة المتساوية وتكافح مختلف أشكال التمييز ضد المرأة.
   وقياساً على معارضة التجمع اليمني للإصلاح دستور دولة الوحدة ومقاطعته الاستفتاء عليه، فإنه تمكن من تحقيق جزء بسيط من أهدافه الحزبية المعلنة، وفي مقدمتها تعديل المادة الثالثة التي اصبحت تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع، بالإضافة إلى نجاحه في إلغاء المادة التي تنص على المواطنة المتساوية ومساواة المواطنين في الحقوق والواجبات أمام الدستور والقانون. كما نجح حزب (الاصلاح) في تعويم المادة الخاصة بحقوق المرأة، بيد أنه لم يتمكن من تعديل معظم النصوص الدستورية التي طالب بتعديلها أثناء مقاطعته الاستفتاء على الدستور، وفي مقدمتها المادة السادسة التي تنص على الالتزام بالمواثيق الدولية وبضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يراه التيار الأخواني نزوعاً للتغريب ومخالفة للشريعة، بالإضافة إلى معارضته الإيديولوجية الصارمة لأي نص دستوري يؤكد على النصوص القانونية والتشريعات الدولية التي أقرها المجتمع الدولي، ووقعّت عليها الدولتان السابقتان قبل الوحدة، وتعد وفقاً للقانون الدولي جزءاً من إلتزامات الجمهورية اليمنية التي ذابت فيها الشخصيتان الدوليتان السابقتان واعترفت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1990م.
وكانت الدولتان الشطريتان السابقتان للوحدة وقعتا بشكل متفاوت على 51 معاهدة ونصوصاً تشريعية دولية حتى عام 1990م.. واللافت للنظر أن الحكومة اليمنية لم توقع على أية معاهدات جديدة خلال حكومة الائتلاف الثنائي بين المؤتمر والإصلاح في الفترة 1994 - 1997، على   الرغم من أن المجتمع الدولي أقرها آنذاك، فيما وقعت حكومة المؤتمر الشعبي على خمس معاهدات دولية بعد خروج حزب التجمع اليمني للإصلاح من الحكم خلال الفترة 1998 - 2000م، ثلاث منها كان يفترض التوقيع عليها خلال فترة الائتلاف الثالث 1994 - 1997م.
والمعروف أن معارضة التيارات الإسلامية السلفية للتشريعات الدولية تنطلق من فكرة الحاكمية التي لا تعترف بحق الشعوب والأمم والحكومات والهيئات المنتخبة في سلطة التشريع، حيث تحصر هذا الحق على نخبة من الفقهاء الذين يحق لهم حراسة حاكمية الله، وتقنينها في أحكام وفتاوى شرعية تحت زعم (تقنين أحكام الشريعة الاسلامية)، على غرار ما كان يفعله الأكليروس في العصور الوسطى استناداً إلى فكرة التفويض الإلهي التي قوّضها المجتمع المدني الحديث وأحلّ محلها مبدأ سلطة الأمة المنتخبة.
ويتوجب القول أن الإقرار الدستوري بمرجعية الشريعة الإسلامية للقوانين، لا يتعارض مع المنهج الفكري للمؤتمر الشعبي العام، ولا يشكل مكسباً سياسياً حقيقياً للتجمع اليمني للإصلاح.. لأن المادة الدستورية الثالثة الجديدة لا تلزم المشرّع بتأويل ايديولوجي أو مذهبي محدد للشريعة على غرار ما تنادي به جماعات الإسلام السياسي المتشددة، فسماحة الإسلام وسعة أفقه وقدرته على مواكبة تحولات التاريخ والعصر والحضارة الانسانية، تتيح للعقل المسلم استنباط التشريعات والقوانين بهدي الشريعة الإسلامية ومقاصدها النبيلة، وبدون الانغلاق في أطر التأويلات الحزبية أو المذهبية للنصوص الدينية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تمسك المؤتمر الشعبي العام بموقفه الرافض لمطالب حزب (الإصلاح) بإلغاء النص الدستوري الذي ينص على إلتزام الدولة بميثاق الأمم المتحدة والمواثيق الدولية التي وقعت عليها بلادنا قبل الوحدة وبعدها وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أسهم في إعادة تعريف النصوص الدستورية الخاصة بالحقوق المدنية التي نجح حزب (الإصلاح) في تعويمها أثناء التعديلات الدستورية التي جرت بعد حرب صيف 1994، مما أدى الى تجويف وتفريغ النجاح الذي حققه حزب (الاصلاح) في فرض تلك التعديلات الدستورية الرجعية، والمعادية لحقوق الانسان ومبادئ العدالة والمساواة والحرية التي يتظاهر اليوم برفعها من خلال (اللقاء المشترك) بعد خروجه من الحكم، وذلك بهدف التضليل والتمويه على مشروعه الشمولي الذي يسعى الى تطبيقه بعد عودته الى الحكم تحت مظلة (اللقاء المشترك) والانفراد به بعد ذلك !!
يتضح من مسار التجربة الإئتلافية الثانية تباين أهداف كل من المؤتمر والإصلاح تجاه القضية المحورية التي تضمنها برنامج الحكومة.. فبينما كان التغيير هو المنهاج السياسي الذي يحدد طرق التعامل مع المهام التي تضمنها البرنامج الحكومي وفي مقدمتها الإصلاح السياسي والاقتصادي، وإزالة آثار حرب صيف 1994، وإعلاء مكانة سلطة القانون، كانت أهداف الإصلاح تتمحور حول المحافظة على نفوذه في أجهزة السلطة، والسعي إلى تعظيمه والحيلولة دون أن يمسه أي تغيير.. فيما كان شديد الحرص على أن يتولى حقيبة وزارة التربية والتعليم بهدف إبقاء الوضع غير القانوني للنظام التعليمي الموازي لنظام التعليم العام، حيث كان الإصلاح يسيطر على ذلك النظام مالياً وإدارياً، وينفرد في رفض توحيد التعليم الذي أجمعت عليه برامج كافة الأحزاب السياسية في السلطة والمعارضة باستثناء التجمع اليمني للإصلاح.ولا يخفى على أحد أن التجمع اليمني للإصلاح كان يقاوم طوال فترة الحكومة الإئتلافية الثالثة الدعوات التي تطالب بتطبيق، ودمج النظام التعليمي الموازي الذي يشرف عليه (الإصلاح) بنظام التعليم العام، وتحويل موازنته الضخمة إلى وزارة التربية والتعليم، وإنهاء الوضع الإداري المستقل لذلك النظام الموازي الذي أفسح المجال لإبرام عقود مع آلاف المدرسين المنتمين إلى جماعات متطرفة، بعيداً عن القواعد الناظمة للعلاقات الثنائية بين الحكومة اليمنية والحكومات العربية، ناهيك عن تضرر سمعة اليمن من جراء نشاط بعض الجماعات والعناصر المتطرفة التي دخلت البلاد بطرق مختلفة.  

ويذكر أن الحكومة اليمنية قامت بترحيل الآلاف من أولئك المتطرفين إلى خارج البلاد خلال الفترة 1994 - 1997 بحسب تصريحات رسمية، الأمر الذي يفسر جانبا من الظلال القاتمة التي طرأت على مشهد العلاقة المتأزمة بين حزبي (المؤتمر) و(الإصلاح) خلال تلك الفترة. وهو ما سنتناوله في مقالنا القادم بإذن الله تعالى

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
استاذ/عباس الديلميالوحدة.. والمشاريع الصغيرة
استاذ/عباس الديلمي
كاتب/خير الله خيراللهميليشيات على مد العين والنظر...
كاتب/خير الله خيرالله
كاتب/خالد محمد  المداحدور الجمعيات الخيرية
كاتب/خالد محمد المداح
الطموح الى السلطة
عبدالواحد عبدالعزيز القاضي
مشاهدة المزيد