الثلاثاء 20-11-2018 10:21:16 ص : 12 - ربيع الأول - 1440 هـ
مأزق الاشتراكي بين جسم ذي رأسين .. وبين خياري الدمج والاحتراب
بقلم/ كاتب/أحمد الحبيشي
نشر منذ: 11 سنة و شهرين و 20 يوماً
الخميس 30 أغسطس-آب 2007 08:51 ص
:طبول المواجهة بين المناطق الرمادية والزوايا الحادة:
مأزق الاشتراكي بين جسم ذي رأسين .. وبين خياري الدمج والاحتراب
------------------------------------------------------------------
برزت فكرة الدمج بين الحزبين الحاكمين لأول مرة خلال المرحلة الانتقالية عام 1992م الذي شهد ظاهرة اعتكاف نائب الرئيس الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني في حضرموت والحديدة أثناء الفترة الانتقالية، وما رافق تلك الظاهرة من تصريحات أدلى بها عدد من قادة الاشتراكي لبعض الصحف العربية،
 ألمحوا فيها إلى ضرورة تمديد الفترة الانتقالية وتأجيل الانتخابات حتى يتم الانتهاء من استكمال توحيد هياكل وأجهزة الدولة المدنية والعسكرية المقرر انجازها خلال الفترة الانتقالية.
وبحسب وقائع تلك الفترة، فقد كانت فكرة الدمج تلقى قبولاً وتأييداً من قبل المؤتمر الشعبي العام الذي كان مفتوحاً على كل الصيغ المتاحة لتحديث المجال السياسي وإعادة بناء الفكر السياسي، ناهيك عن أنه كان سبّاقاً في إقتراح دمج المؤتمر والإشتراكي في إطار التعددية الحزبية، وذلك ضمن البدائل الأربعة التي اقترحها الدكتور عبدالكريم الأرياني في اجتماع اللجنة السياسية المشتركة التي انعقدت في تعز قبل الوحدة.. لكن هذه الفكرة لقيت معارضة قوية داخل قيادة الحزب الاشتراكي اليمني التي كانت عصية على التجدد قبل الوحدة، وأصبحت معاقة ومشلولة بعد الوحدة نتيجة للتشوهات البنيوية التي نجمت عن تحول الحزب الى جسم برأسين، أحدهما في السلطة والآخر في المعارضة.
صحيح أن الدمج كان سيجنب الوحدة مخاطر استمرار الوضع السياسي الملتبس، وسيوفر للديمقراطية التعددية إمكانية إدخال تغيير نوعي في بيئتها السياسية بعد أن أصبحت مجرد تغيير كمي في الخارطة السياسية.. بيد أن ثمة اختلاف في قدرة كل من الحزبين الحاكمين على الاستجابة لخيار التوحيد الاندماجي بينهما.. فقد كان توحيد الحزبين سيساعد كثيراً مسار تطور المؤتمر الشعبي العام بدون أية جراحة مؤلمة.. وبالمقابل كان التوحيد فرصة تاريخية لتخليص الحزب من كافة رواسب الجمود العقائدي والثقافة السياسية المحافظة والتفكير النظري المدرسي السكولاستي، ومعافاته من الإعاقات التي أصيب بها من جراء صراعاته الدموية الداخلية قبل الوحدة، وإنقاذه من أزمة فكرية وسياسية قادمة لا محالة بسبب عدم تناسب برنامجه السياسي وخطه الأيديولوجي مع الظروف الجديدة بعد الوحدة.
لكن التوحيد لم يكن ليخلّص الحزب الاشتراكي من أمراضه بدون جراحة مؤلمة تعيد إليه سويته وتوازنه بعد إزالة الأورام والدمامل الزائدة.. ولذلك تعرضت فكرة التوحيد لمقاومة شديدة حسمتها اللجنة المركزية للحزب في دورتها الثالثة والعشرين المنعقدة في خريف 1992م برفض فكرة التوحيد مع المؤتمر الشعبي العام.
وبعد انتهاء دورة اللجنة المركزية، بفترة قصيرة حصل الاعتكاف الثاني لنائب الرئيس الأمين العام للحزب الاشتراكي، وانتهى ذلك الاعتكاف كما يبدو بالاتفاق على تأجيل الانتخابات لبضعة أشهر فقط، حيث تم الإعلان عن تنظيم الانتخابات في 27 ابريل 1993م بدلاً من 22 نوفمبر 1993م بحسب ماكان مقرراً في اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية الملحق بالدستور.
نتائج متعددة الأبعاد
بإجراء الانتخابات شهدت العملية الديمقراطية أول اختبار لها، حيث أحرز المؤتمر الشعبي العام المركز الأول في تلك الانتخابات بنسبة 39% تركزت غالبيتها الساحقة في المحافظات الشمالية، فيما أحرز الحزب الاشتراكي اليمني نجاحًا بنسبة 19% في الأغلبية الساحقة من دوائر المحافظات الجنوبية والشرقية التي تشكل 20% من إجمالي الدوائر الانتخابية في الجمهورية، ليأتي في المركز الثالث بعد التجمع اليمني للإصلاح الذي فاز بنسبة 19.7% جميعها في المحافظات الشمالية.
وكشفت نتائج تلك الانتخابات جملة من الخبرات والأبعاد والحقائق الجديرة بالتأمل والبحث والاستفادة، فيما جاءت استحقاقاتها لتدل على ضعف تأثير الديمقراطية في إحداث تغييرات بنيوية داخل الجغرافيا السياسية للتشطير، ومسؤولية التكوين المزدوج للحزب الاشتراكي اليمني عن فشل أوهام بعض أطرافه التي كانت تراهن على فك ارتباطه بالمؤتمر الشعبي بعد الإنتخابات، واستبداله بتحالف سياسي عريض يضم الحزب وطائفة من الأحزاب السياسية التي يجمعها بالحزب الاشتراكي مشترك رئيسي وهو الانتماء إلى منظومة المشاريع اليسارية القومية والاشتراكية القديمة.
وبقدر ما أسهمت المؤشرات الكمية لانتخابات 1993م في إضعاف موقع الحزب الاشتراكي المتميز في السلطة، حيث اقتضت معايير الديمقراطية حرمانه من صفة الشريك المتساوي مع المؤتمر في السلطة، بقدر ما أسهمت أيضًا في إضعاف جناح الحزب في المحافظات الشمالية بعد أن أثبتت نتائج الانتخابات أنه كان يقدم قراءة خاطئة للواقع في تلك المحافظات، ومعلومات غير دقيقة عن حجم انتشاره وقوة تأثيره في المجتمع، الأمر الذي أدى إلى نشوء أزمة غير معلنة داخل قيادة الحزب بسبب غياب التوازن الذي كان موجوداً في الفترة الانتقالية، وعدم توازن ما حققه الحزب من نتائج ممتازة في المحافظات الجنوبية والشرقية التي كان يحكمها قبل الوحدة، مع النتائج الخائبة والهزيلة التي حققها في المحافظات الشمالية التي تشكل 80% من إجمالي الدوائر الانتخابية في الجمهورية.
أدى الوضع الجديد بعد انتخابات 1993م إلى إحياء النقاش حول المسؤولية المشتركة للحزب والمؤتمر عن حماية الوحدة، وضرورة البحث عن معادلة واقعية للتوفيق بين شروط حماية الوحدة وشروط الالتزام بمعايير الديمقراطية.
وإذا كانت النتيجة الكمية للانتخابات منحت الحزب الاشتراكي حجمًا متواضعًا لا يزيد عن 19% من حيث التوازن السياسي، لكن النتيجة الفعلية والميدانية أعادت إنتاج وضعه السابق كممثل شرعي لأغلب ناخبي المحافظات الجنوبية التي كان الحزب لا يزال يسيطر على هياكل الدولة المدنية والعسكرية والأمنية والإعلامية فيها، وعلى وجه الخصوص القوات المسلحة للشطر الجنوبي سابقًا، والتي لم يكن توحيدها قد تم بعد.
كشفت هذه المعطيات الانتخابية حاجة الوحدة إلى ضرورة مواصلة العمل المشترك بين الحزب والمؤتمر في إطار السلطة، وخطورة بل وعدم إمكانية الجمع بين السلطة والمعارضة على نحو ما كان سائداً في الفترة الانتقالية.. كما كشفت في الوقت نفسه خطورة التيار المعارض للسلطة داخل الحزب على خلفية رواسب المواجهات والصدامات الدامية بين فرعه في الشمال وسلطة الرئيس علي عبدالله صالح قبل الوحدة، حيث كان هذا التيار يفضل خروج الحزب من السلطة إلى المعارضة، بدلاً من استمرار شراكته مع المؤتمر في السلطة، وهو ما عبر عنه صراحة وبكل وضوح الشهيد جار الله عمر الأمين العام السابق لفرع حزب الوحدة الشعبية في تصريحه الذي أدلى به للصحفي اللبناني خير الله خير الله ونشرته صحيفة ( الحياة ) اللندنية عشية الإنتخابات، وتمنى فيه أن ينتقل الحزب الاشتراكي اليمني إلى المعارضة، وهي أمنية انطلقت من فرضية نظرية مجردة عن الديمقراطية، وقراءة غير واقعية للوضع السياسي الملموس بتجاهلها حقيقة أن خروج الحزب الاشتراكي إلى المعارضة لن يكون خروجًا من السلطة بل من الوحدة.. وقد تأكدت هذه الحقيقة بعد الانتخابات التي منحته شرعية تمثيل المحافظات الجنوبية والشرقية التي كان يحكمها واستمر يسيطر على مؤسساتها وأجهزتها المدنية والعسكرية في تلك الفترة.
معايير الديمقراطية
كانت الانتخابات مناسبة لإبراز طريقة تفكير كل من حزبي الائتلاف اللذين شاركا في صنع هذا الحدث.. وتشير أحاديث الرئيس علي عبدالله صالح رئيس المؤتمر الشعبي العام التي أدلى بها لوسائل الإعلام اليمنية والعالمية بعد الانتخابات مباشرة إلى قدرة المؤتمر الشعبي العام على تجديد خطابه السياسي وإعادة بناء ثقافته السياسية على النحو الذي يؤهله لتحويل معايير الديمقراطية إلى قيم سياسية في مجال إعادة بناء السياسة وتحويل مخرجاتها إلى قيم دستورية في مجال إعادة بناء هيئات الدولة والسلطة.وفي المقابل كشفت أحاديث نائب الرئيس الأمين العام للحزب الاشتراكي علي سالم البيض إلى وسائل الإعلام اليمنية والعالمية بعد الانتخابات، عن استمرار تأثير قوة العادة والثقافة الشمولية على طريقة تفكيرالحزب التي بدت مشوشة وعاجزة عن التحرر من تأثير التيار الذي أدمن معارضة السلطة داخل الحزب الاشتراكي، حيث دعا البيض في تلك الأحاديث التي أدلى بها بعد الانتخابات مباشرة إلى إقامة (كتلة تاريخية) تضم كافة القوى السياسية بهدف ماأسماه (رعاية التجربة) ثم قدم شرحًا فضفاضًا أضفى من خلاله صفة (الاصطفاف الوطني) على هذه الكتلة التي دعا إليها، وهو تعبير مموه لصيغة الجبهة الوطنية المتحدة التي اشتهرت بها الأنظمة الثورية الشمولية!.
بيد أن المؤتمر رفض هذه الدعوة، حيث أوضح الرئيس علي عبدالله صالح في حديث صحفي نشرته (الحياة) أوائل مايو 1993م أن الانتخابات هي إحدى معايير الديمقراطية وأدواتها، وأن وضع الأحزاب الناجحة والأحزاب الفاشلة على قدم المساواة في إطار واحد وتحت أي مسمى أو حجة، سوف يؤدي إلى الإخلال بمعايير الديمقراطية.
كان الرئيس علي عبدالله صالح صريحًا وواضحًا حيث حدد رؤية المؤتمر الشعبي العام الذي يرأسه للائتلاف المطلوب في المرحلة الجديدة، خصوصًا وأن حزبه لم يحصل على الأغلبية المطلقة التي تؤهله لتشكيل حكومة بمفرده.. وألمح إلى أن الائتلاف القادم لن يكون تقاسمًا بين طرفين بل ائتلافًا بين أكثر من طرفين.
وصلت الرسالة إلى الحزب الاشتراكي اليمني، لكنه كرر مجدداً تمسكه بالصيغ القديمة، حيث دعا البيض هذه المرة في أحاديث نشرتها (الحياة) و(الشرق الأوسط) و(مونت كارلو) خلال الفترة من 3-6 مايو 1993م إلى إيجاد ائتلاف واسع بين كافة القوى السياسية داخل البرلمان.
وأدرك الحزب الاشتراكي بعد ذلك أن المؤتمر الشعبي عازم على توظيف نتائج الانتخابات لإزالة مظاهر الالتباس، وفرز الخطوط والظلال والألوان التي تداخلت في صورة المشهد السياسي خلال الفترة الانتقالية، وذلك من خلال إشراك التجمع اليمني للإصلاح في الائتلاف.
وكانت تصريحات الرئيس قبل تشكيل الائتلاف الثلاثي بين المؤتمر والاشتراكي والإصلاح واضحة وصريحة في تأكيدها على أن الديمقراطية تعني إما ان تكون في السلطة أو في المعارضة، ولا يجوز في ظل الديمقراطية الجمع بين السلطة والمعارضة في آن واحد.
وعليه فقد كان مطلوبًا من الحزب الاشتراكي ألا يكرر تجربته السابقة في مرحلة التقاسم الثنائي، وهنا دخل الحزب مأزقًا شديداً.. فهو حين يعلن قبوله نتائج الانتخابات وتمسكه بمعايير الديمقراطية، يكون مطالبا بتحديد خياراته بوضوح ودقة بين المشاركة ضمن سلطة ائتلافية ثلاثية أو الانتقال إلى المعارضة..غير أن تركيبة الحزب المزدوجة لم تتح له استمرار المشاركة في السلطة إلى جانب المؤتمر الشعبي العام فيما يؤدي انتقاله إلى موقع المعارضة بحسب أمنية الفقيد جار الله عمر إلى خروجه من الوحدة وبالتالي إلى المواجهة والحرب.
ولما كانت مشاركة الحزب في السلطة مع طرفين آخرين هذه المرة لا تتسم بالشراكة والتقاسم.. وبالنظر إلى استمرار المسؤولية بين المؤتمر والاشتراكي عن حماية الوحدة، واستكمال توحيد أجهزتها المدنية والعسكرية، برز من جديد خيار التوحيد للخروج من هذا المأزق.
نجح علي سالم البيض هذه المرة في طرح هذا الخيار على المكتب السياسي بقوة، فاتحًا بذلك باب الحوار مع قيادة المؤتمر الشعبي العام، وتوج هذا الحوار بعقد اجتماع مشترك للجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام و المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني يوم الاثنين 11 مايو 1993م برئاسة الرئيس علي عبدالله صالح ونائب الرئيس علي سالم البيض، تم خلاله توقيع وثيقة التنسيق التحالفي على طريق التوحيد بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني، ولوحظ غياب عدد من أعضاء المكتب السياسي كانوا يقودون التيار المعارض للتحالف على طريق الدمج مع المؤتمر.. كما تدل عليه صورة الاجتماع المشترك للمكتب السياسي واللجنة العامة التي تم بثها ونشرها عبرالقناتين التلفزيونيتين والصحف الرسمية..
ونجح الحزب الاشتراكي في إقناع المؤتمر الشعبي هذه المرة بقبول دعوته السابقة التي دعا فيها إلى إقامة كتلة برلمانية عريضة داخل المؤتمر، حيث نصت الوثيقة على تشكيل كتلة برلمانية واحدة فور مباشرة المجلس المنتخب أعماله مع فتح المجال لدخول أطراف أخرى ضمن هذه الكتلة..وبعد التوقيع على هذه الوثيقة قام الرئيس ونائبه وأعضاء مجلس الرئاسة بجولات تفقدية في عدد من المحافظات لتأكيد تلاحم وانسجام قيادات المؤتمر والاشتراكي بعد الانتخابات، وانتهت هذه الجولة عشية احتفالات العيد الثالث للوحدة في 22 مايو 1993م.
 وفي هذا اليوم ألقى الرئيس علي عبدالله صالح عبر القناة التلفزيونية الأولى من صنعاء كلمة بهذه المناسبة سلط فيها الضوء على وثيقة التنسيق التحالفي على طريق التوحد بين المؤتمر والاشتراكي، مؤكداً على ضرورة التمسك بها ووصفها بأنها من مكاسب الوحدة والديمقراطية، فيما تحدث نائب الرئيس علي سالم البيض في مقابلة مع تلفزيون القناة الثانية من عدن بعد نصف ساعة من كلمة الرئيس قائلاً بالحرف الواحد : ((نحن والمؤتمر مسئولون عن وحدة البلاد.. وعلينا أن نتحمل المسؤولية عن حماية الوحدة وتعزيز الديمقراطية وإيجاد الاستقرار)).. بيد أن المراقبين لاحظوا حرص البيض على التلميح في تلك المقابلة التلفزيونية إلى (( أن تلك الوثيقة تحتاج إلى ترحيب بين صفوف الحزب وبين صفوف الوطنيين))، وهي إشارة تدل على ان نائب الرئيس بما هو الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني كان يستشعر موسما عاصفا بالنزاعات والآزمات داخل حزبه بالدرجة الأولى.. وهو ما سنتناوله في العدد القادم.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
توفيق الشرعبي
أدوات المطامع الخليجية
توفيق الشرعبي
مقالات
استاذ/عباس الديلميللخنجر اليمني حد واحد
استاذ/عباس الديلمي
بروفيسور/سيف مهيوب العسليهذه هي الديمقراطية.. فلا تسيئوا فهمها!
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
بروفيسور/سيف مهيوب العسليلا لعودة الشمولية
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
استاذ/علي ناجي الرعويأحـزاب.. لا بوابات للشـياطـين
استاذ/علي ناجي الرعوي
مشاهدة المزيد