الأربعاء 14-11-2018 06:04:19 ص : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
ليبراليون مخدوعون أم رماح بيدالأجانب؟
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 4 أشهر و يومين
الخميس 12 يوليو-تموز 2007 06:55 ص
كانت الليبرالية وما زالت تقدم في العالم العربي من طرف قبضة من المفكرين والكتاب بوصفها المنقذ من ضلال الأمة المفترض، ومرشدها إلى النور والحداثة والتقدم وما شابه ذلك، وكان الليبراليون العرب ومازالوا ينقسمون إلى فئتين: الأولى تضم مخلصين يرغبون فعلاً تقدم العرب وازدهارهم و يؤمنون بأن هذه النظرية هي السبيل إلى ذلك والفئة الثانية، هي الفئة الانتهازية التي ترتمي في حضن الدول العظمى،
وتسعى لتسويق سياستها عندنا ناهيك عن دعم وعدوانها العسكري كما هي حال ما يسمى بليبراليي العراق فيما يلي محاولة للنظر عن قرب إلى هذه الإيديولوجية وإلى دعاتها ومن ثم إلى مآلهم ومآلها.
أفتى الأسبوع الماضي عالم الدين السعودي صالح الفوزان برفض الليبرالية وتكفير كل من يعتنقها مفترضاً أنها تناهض سلطة الشريعة. أثارت الفتوى ردود فعل غاضبة من طرف الذين ينسبون أنفسهم إلى التيار الليبرالي، معتبرين أنها بمثابة دعوة لتصفيتهم ما حمل الفوزان على تصحيح ما قاله في الشكل دون أن يتخلى عن المضمون.
والواضح أن هذه الفتوى ليست فريدة من نوعها فقد صدرت قبل عقود إجتهادات دينية ترفض الاعتراف ب «كروية الأرض» كونها من أثر فلسفة أجنبية وبالتالي خلاصة "زندقة" مرفوضة. وصدرت آراء دينية في بلدان عديدة ضد نظريات فلسفية واختراعات علمية واكتشافات مرفقة بنصائح لا تجيز استخدامها إلا أن ضغوط الوقائع القاهرة أدت إلى تجاوز مثل هذه الآراء والفتاوى و الاجتهادات. واليوم لا يرفض عاقل في العالم الإسلامي الاعتراف بكروية الأرض، بل ربما نجد المجسم الكروي في مكاتب ورثة الذين أفتوا بكونها "مسطحة" فهل يمكن الرهان على الوقائع القاهرة نفسها لتصبح نظريات عصر "النهضة الأوروبية" ومن بينها الليبرالية مجالاً قابلاً للبحث والتداول والتبني في بعض مجتمعاتنا المحافظة ؟
ما من شك أن الليبرالية ليست حاجة علمية كما هي الحاجة للتعاطي مع "كروية الارض" أو الهاتف النقال أو الانترنت أو وسائل النقل الحديثة وغيرها وبالتالي يمكن الاستغناء عنها أو تفاديها بل ربما يتوجب ذلك عندما يتعلق الأمر بالصيغ الليبرالية المستحدثة على غرار الصيغة الأمريكية أو حتى البليرية البريطانية.وفي ظني أن الليبراليين العرب وهم قبضة معزولة من الكتاب والمعلقين لا يحتاجون إلى من يكافحهم بفتوى. فقد ألحق جورج بوش أذىً كبيراً بهم عبر حروبه العدوانية الحاصلة أوالمبرمجة فبدوا كصدى هامشي لهذه الحروب, ناهيك عن أنهم قبل بوش لم يتمكنوا يوماً من النفاذ جدياً إلى أية شريحة اجتماعية عربية بخلاف الماركسيين الذين لعبوا أدواراً في العديد من البلدان العربية والمسلمة, ومازالت أحزابهم على تراجعها وضعفها قائمة على الخريطة السياسية الحزبية العربية. لكن لماذا بدا ويبدو دائما أن لا مستقبل، ولا أفق أمام الليبرالية في العالم العربي؟ الإجابة عن السؤال تملي العودة إلى النظرية الأم.
 الليبرالية بحسب القواميس المتداولة نظرية أوروبية نشأت في عصر "الأنوار" في القرن السابع والثامن عشر وانتشرت من بعد حول فكرة تقول إن كل كائن حي يمتلك حقوقاً طبيعية لا يجوز لأية سلطة النيل منها أو التعرض لها، وربطت من بعد بالديموقراطية.وفي الاقتصاد انتشرت حول شعار الرأسمالية الشهير" دعه يعمل دعه يمر". و تنحو الليبرالية في معناها العريض إلى إقامة مجتمع متميز بحرية تفكير الأفراد واحترام الحق الفردي الطبيعي وحرية تبادل الأفكار وانتشار اقتصاد السوق، والمبادرة الخاصة وإقامة سلطة سياسية شرعية وشفافة تحفظ حقوق الأقليات.
ويحظى المفكرون الليبراليون الأوائل شان آدم سميث وكنيزي، وجان جاك روسو، ومونتيسكيو، وجون لوك، وتوكفيل وغيرهم باحترام كبير حول ضفتي الأطلسي وقد لعبوا أدواراً مهمة في تحرير الطاقات الكامنة في أوروبا وبالتالي كانوا شركاء غير مباشرين في النهب التاريخي الذي تعرضت له قارات وأمم العالم الأخرى ما أدى إلى تراكم خرافي للثروة في الغرب مازال مستمراً منذ أكثر من ثلاثة قرون حتى يومنا هذا. واليوم يناضل الليبراليون في أوروبا من أجل تخفيف تدخل الدولة في شؤون الناس وحصره في مجالات الأمن الداخلي والقضاء والدفاع الخارجي، وبالتالي إطلاق حرية رأس المال على غاربها عبر حرية المبادلات دون قيود، وعبر تعميم اقتصاد السوق على الكرة الأرضية بأسرها ويفترض الليبراليون أن التبادل الحر لا ينطوي على خطر الفوضى لان نظام السوق يقوم على العرض والطلب، وبالتالي ينظم نفسه بنفسه دون الحاجة إلى سلطة الدولة وتدخلها.
وإذ تدعي الليبرالية مكافحة الاستبداد وتدعو إلى الحرية المطلقة فهي بدعوتها لاقتصاد السوق وحرية المبادلات واعتراضها على دور الدولة الاقتصادي تساهم بإنتاج أبشع أنواع الاستبداد، ممثلا برأس المال المتوحش الذي يهمش الضعفاء في الغرب ويحرمهم من أنظمة الخدمات العامة التي توفرها الدولة ويفترس بالمقابل ثروات الشعوب والأمم الفقيرة في الشرق أو ما تبقى منها، ويخوض حروباً طاحنة ضد كل من يعترضه ويمرغ أنوف الممانعين بالوحل، أما في بلداننا العربية فلنا أن نتخيل ما تعدنا به الليبرالية المتوحشة إذ تتحالف مع الدولة العبرية، وتدفع بها لتكون وكيلاً في منطقتنا لكل متوحشي رأس المال ولصوص المواد الأولية وسائر مستبدي العالم "الحر" الجدد والقدماء ...الخ.

 عندما يبحث "ليبرالي" عربي مفترض عن حلول لمشاكل بلاده عند آدم سميث فإنه يسير قاصداً أم غافلاً على خطى أحمد الجلبي, وكنعان مكية, وفريد الغادري، وفؤاد عجمي، وسلمان مصالحة وغيرهم, ذلك أن شروط اللعبة الليبرالية لا تحددها أفكار آدم سميث أو الكسيس دو توكفيل، وإنما البورصات العالمية وأسعار صرف العملات والفوائد والأسهم التي تعبر الكرة الأرضية ومعها الأساطيل والترسانات العسكرية والثمانية الأكثر استبداداً وتصنيعاً. هؤلاء يعينون "المارق" أو "الشرير" في السوق الكوني ثم ينهالون على بلاده ويعيدونها إلى "العصر الحجري".في مواجهة الليبراليين العرب لا يحتاج المرء إلى فتوى بل إلى شعار «دعه يقول ما يريد في أي شيء يريد» فهو من أثر "غيمة" نظرية لم تمطر, ولن يمطر في بلاد العرب الممتدة بين الماء و الماء

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
حميد رزق
أمريكا تدعوا لوقف الحرب وتحالف السعودية يصعّد: وجهان لعملة واحدة
حميد رزق
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الأحداث:العيب فينا وليس في سوانا
كاتب/ احمد ناصر الشريف
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالسلام التويتي
المبادرةُ الأمريكيةُ جِهَنَمِيّةُ الأهداف محفِّزةٌ على الاصطفاف
عبدالسلام التويتي
مقالات
كلمة  26 سبتمبرالشباب
كلمة 26 سبتمبر
الحوثية هل هي نتاج هاشمي زيدي (2)
زيـد الذاري
استاذ/عباس الديلمي أبشع الخطايا وأكبرها
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد