الأربعاء 19-09-2018 21:29:57 م : 9 - محرم - 1440 هـ
رؤية للتأمل:وطن يتوحد
بقلم/ دكتورة/رؤوفة حسن
نشر منذ: 13 سنة و 6 أشهر و 28 يوماً
السبت 19 فبراير-شباط 2005 06:46 م

الاستماع إلى النشيد الوطني يتردد من جنود قوات الأمن المركزي يعيد إلى الذاكرة أيام كانت قد غابت منذ المدرسة. هزني النشيد ووجدتني أتفاعل مع الكلمات، رغم صدمتي الدائمة في كلمتين من هذا النشيد. الكلمة الأولى عندما يخاطب النشيد الوطني اليمن، فيقول لها، يابلادي: نحن أبناء وأحفاد رجالك، فأردد في نفسي دائما ( ونحن بناتك وحفيدات نسائك)، وطبعا أفكر في الملكة بلقيس مثلا.

والكلمة الثانية التي تقول إن اليمني يعيش إيمانه وحبه سرمديا أي إلى الأبد وهو تعبير لا معنى له هنا سوى القافية. فالنشيد الأصلي يقول: عشت إيماني وحبي «أمميا»، بمعنى محبا لأمم العالم ومؤمنا بسلامهم وبالعيش معهم في محبة ومودة ووئام.

أما القول إن اليمن عاش حبه وإيمانه إلى الأبد دون تحديد فهي مجرد كلمة لطيفة لتغيير نص جوهري بسبب سوء فهم لمعنى سياسي. فالبعض يبرر تغيير هذه الكلمة في النشيد الوطني بإن كلمة «أمميا» لها معنى مستخدم بشكل كبير من قبل الشيوعيين الذين كانوا يطالبون بوحدة الأمم والشعوب.

وقد يقول البعض إن الكلمة أيضا قد تحمل معنى يرتبط بالإسلاميين السياسيين الذين أيضاً ينظرون إلى العالم بمنظار أممي. وقد يرى بعض آخر، أن الكلمة لها بعد يشبه البعد الذي تدعيه الحكومات المنظمة إلى مؤسسة دولية للحكومات تسمى الأمم المتحدة.

وسواء حملت تلك الكلمة ذلك المعنى أو أي معنى فهي بالنسبة لي تعنى في نشيدنا الوطني إذا عادت إلى موقعها الطبيعي اننا شعب محب للبشر في هذا العالم، نؤمن له بالخير ونحمل له المودة مثلما نحن عرب، ومثلما نحن يمانيون مخلصون لهذا الوطن.

وكل مرة سأسمع الأبناء والأحفاد من الذكور سوف يتردد في ذهني وجود البنات والحفيدات من النساء، وكلما جاءت كلمة السرمدة المؤبدة سيتردد في ذهني حب العالم وكل الأمم والبشر، رغم أنف النشيد.

المعسكرات الرجالية:

كانت أخر مرة دخلت فيها معسكراً من القوات المسلحة والأمن هي خلال فترة الحملات التوعوية التي كانت تقوم بها وزارة الإعلام والثقافة في المعسكرات في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات. وكنا مجموعة من المثقفين والمثقفات الذين تطلب منا مهام تقديم المحاضرات لشباب الجيش. كنا نفعل ذلك بكل مودة وإخلاص. ثم جاءت مرحلة صار فيها ظهور النساء المثقفات داخل المعسكرات شبه مستحيل بفعل نوع من المد الفكري الأسود الذي يحمل الشك ضد الثقافة وضد النساء.

فلما وجه العقيد يحي محمد عبدالله صالح لي دعوة لحضور حفل تخرج الدفعة الأولى من معهد فرنسيس جاي في اللغة الانجليزية ومهارات الاتصال على الحاسوب حضرت بكل فرح رغم حالة الارهاق والاجهاد التي كنت أعانيها بعد اكتمال أعمال ندوة رداء الدولة التي أقامتها مؤسسة تخطيط برامج التنمية الثقافية خلال اليومين الماضيين.

فمنذ كنت أحيانا أشارك مع الزملاء في برنامج حماة الوطن من إذاعة صنعاء، وأنا أشعر بالمودة والقرب من رجال الجيش ونسائه حيثما كانوا. ولعل هذا يفسر أسباب انتظام زاويتي هذه في صحيفة تصدر عن التوجيه المعنوي للقوات المسلحة، ويفسر تركيز مشروع التراث السياسي للدولة على الزي العسكري للرؤساء مثل تركيزه على الزي المدني بنفس المستوى.

هذا كله بالرغم من أن العميد علي حسن الشاطر يردد دائما أنني لا أكتب في صحيفته مودة له أو لقوات الجيش والأمن، بل تنفيذا لأمر رئيس الجمهورية، وهو أمر صحيح إلى حد كبير، لكن طاعة ولي الأمر مستمرة بسبب وجود رجال من أمثال العميد الشاطر يجعلون العمل معهم استمرارا لمواصلة طريق بناء وتوعية وتوجيه معنوي دائم.

توحيد الوطن:

العلم الوطني، به قرار واضح، قد نحب ألوانه الثلاثة أو لا نحب فهو يظل علمنا الذي نرفعه في كل مكان ونذود في سبيله كل الأعداء. وهو ليس أكثر قداسة من الدستور الذي أمكن للشعب تعديله. كذلك الشعار الوطني المسمى شعار الدولة بنسره وجناحه هو أيضا قابل للمراجعة والتفكير. أما النشيد الوطني فحاله من التعديل غريب وحاجته إلى لوائح محددة لاستخدامه صار ضرورة. فهناك من المجتهدين من منعوا ترديده في بعض المدارس، ليس لأن به كلمة سرمديا، وليس لأن فيه نص عن الأبناء والاحفاد والرجال، بل لأن ترديده في الصباح في المدرسة إثم من عمل الشيطان.

وقصة النشيد، والعلم والشعار هي قصة وطن يتوحد، لم تكتمل كل العناصر المطلوبة فلا تزال هناك خطوات نحو المزيد لكنها خمسة عشر عاما من التوحيد هي بداية طريق طويل، تستحق كلها الرصد والتأمل. ويجب أن نكون أقل حساسية عندما يناقش بعضنا جزءاً من رموز هذه الوحدة كالعلم أو الشعار أو النشيد أو حتى مشروع الزي الوطني للدولة الموحدة. فما دمنا اخترنا التعددية السياسية والديمقراطية نظام لهذه الدولة الموحدة، فحرية الرأي في كل قضايا البلاد يجب أن تكون هي أيضا سلاحنا في الطريق الطويل.

ترى هل يرى القراء أن الأمر يستحق التأمل.

. raufah@hotmail.com

مشاهدة المزيد