الأربعاء 14-11-2018 03:16:36 ص : 6 - ربيع الأول - 1440 هـ
أربعة عقود على هزيمة حزيران عودة إلى سيرة عبد الناصر(3-3)
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 4 أشهر و 23 يوماً
الخميس 21 يونيو-حزيران 2007 07:28 ص
  بعد أربعين عاماً على حرب حزيران يونيو 1967 ما زلنا نبكي الهزيمة وننوح على أطلالها.في هذه الأيام تملأ شاشاتنا صور الدبابات المحروقة والجنود المستسلمين وكأننا هزمنا بالأمس وليس قبل أربعة عقود. وفي هذه الأيام يحمل كثيرون على الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بوصفه رمزاً للهزيمة فهل كان ناصر بالفعل زعيما مهزوماً وهل يمكن اختصار ما صنعه بحرب حزيران؟ فيما يلي الحلقة الثالثة والأخيرة في محاولة للرد على هذا السؤال استناداً إلى كتاب " مصر بعيون الفرنسيين" .
لو تأملنا قليلاً في حجم ونوع الكلفة الأخلاقية للمشروع الناصري والأكلاف الأخلاقية لمشاريع التغيير في العالم المتقدم نلاحظ أن الناصرية كانت شديدة الاعتدال بالقياس الى هذه المشاريع. لقد كلف انتقال فرنسا من الملكية إلى الجمهورية مئات الآلاف من القتلى والدمار والحروب وكذا الأمر في ألمانيا حتى لا نتحدث عن دول العالم الثالث الشبيهة بمصر. لكن إذا عدنا إلى القواعد الحقوقية والسياسية والاخلاقية المعتمدة في مصر والغرب خلال الفترة الناصرية نرى أن الإعلام الموجه والمراقب كان قائماً على قدم وساق في فرنسا خلال الفترة الديغولية وكذا الأمر بالنسبة للرقابة والدعاية وما شابه ذلك. وفي المجابهات كان الإعلام الغربي الديموقراطي يتحول إلى سلاح في المعركة أي إلى إعلام موجه وكانت حرية التعبير والإبداع تخضع للرقابة والتحكم بدليل أن الكثير من الكتب والأفلام السينمائية المعترضة على حرب الجزائر أو التي تحاول النظر إلى هذه الحرب بما يخالف وجهة النظر الرسمية كان يحجر عليها و بعض هذه الأعمال أفرج عنها منذ عامين فقط علما بان ثورة 1968 الطلابية في فرنسا كانت تنادي بتوسيع حرية التعبير التي لم تتوسع فعلاً إلاَّ في عهد فرنسوا ميتران في الثمانينات طبعا يجب ألا ننسى التزامن بين ظهور الناصرية وانتشار المكارثية في الولايات المتحدة الأمريكية فقد اعتمد السناتور جون مكارثي منهج محاكم التفتيش في ملاحقة اليسار والشيوعيين في بلاده ولا أن أظن أن هذا المنهج اتبع في مصر ولم يتعرض اليسار المصري لعمليات فحص دم سياسي واديولوجي كتلك التي تعرض لها نظيره الأمريكي . يبقى أن الظلم الناصري لم يصل إلى حد رمي المعارضين في مياه النيل كما هي الحال مع رمي الجزائريين المعارضين لحرب الجزائر في مياه نهر السين في فرنسا. وأخيراً لا بد من النظر إلى ظاهرة احمد سعيد بما يشبه اليوم ظاهرة السيد مردوخ صاحب فوكس نيوز الذي يستخدم مجموعته الاعلامية كسلاح في حرب العراق طبعا مع فارق الظروف والتجربة وعمقها التاريخي.
 والجدير ذكره أن قواعد قياس حقوق الإنسان لم تكن في الظروف التي انبثقت في ظلها الناصرية شبيهة بالقواعد المعمول بها اليوم هذا إذا أردنا الحديث عن الغرب حصراً أما ما يعرف بالعالم الثالث فكان أبعد ما يكون عن التقدم المصري في هذا المجال وفي غيره. وإذا كان صحيحاً أن عهد عبد الناصر لم يكن ديموقراطيا بالمفهوم الغربي الحالي للديموقراطية فان الخيار الاشتراكي الناصري بما في ذلك مشروع الحزب الواحد المركزي كان جزءا لا يتجزأ من مشروع التغيير وبالتالي كان من الصعب على الناصرية أن تكون مشروعاً تغييراً ديموقراطياً واشتراكياً ومركزياً في الآن معا.. لقد تبين من بعد إن الاشتراكية والمركزية اختيارات غير فاعلة لكنها في حينه كانت ردا مناسباً على النظام الملكي الفاسد والمهان داخلياً وخارجياً ما يعني مرة أخرى أن تقييم التجربة الناصرية كان وما زال يتطلب وضعها في الظروف المصرية والعالمية السائدة في حينه ومن الظلم محاكمتها في ضوء تجارب وظروف ومقاييس مختلفة.
ثالثاً:لقد انتشر الفساد وعرفت المحسوبية وانتشرت البيروقراطية وسوء الإدارة في العهد الناصري وهذا كله صحيح لكن هل تخلو اليوم دولة واحدة من الفساد والبيروقراطية والمحسوبية في العالم كله.ما من شك إن وجود هذه الظواهر في الدول الأخرى لا يبرر وجودها في مصر لكن أيضا لا يمكن محاسبة الناصرية على هذه الظواهر وكأنها حكر عليها خصوصاً أن نقاد الناصرية الساداتيين المتشددين برهنوا خلال سيادتهم مراكز القرار في مصر عن تعلق مرضي بالفساد لا بل جعلوا الفساد نظام حكم بالتمام والكمال.
رابعاً: أما عن هزيمة حزيران وعدوان السويس فالحرب ليست ماتش ملاكمة ينتهي بالنقاط أو بالضربة القاضية بل ناجمة عن نزاع سياسي تعذر حله بوسائل سلمية ما يعني أن النصر السياسي يلغي كل مفاعيل الحرب ويجعلها وكأنها لم تكن أصلا ًمع التذكير أن هزيمة ناصر في السويس وحتى في حزيران هي هزيمة نظام حديث التكوين كان يسعى منذ نشأته إلى تغيير مصري شامل داخلياً وعربياً ودولياً بوسائل محدودة وفي ظل ظروف ضاغطة و بمواجهة عدو استراتيجي على الحدود مجهز ومدعوم من قوى العالم العظمى.
خامساً:إن اختيار عبد الناصر لسياسة خارجية عربية هجومية كان ينطلق من نظرة ثاقبة لدور مصر الاستراتيجي في المحيط وكان يهدف إلى رفع شان الأمة العربية وتخليصها من العبودية والاستعمار والذل الذي ضربها لقرون طويلة وفي ظني أن هذه السياسة كانت مفيدة لمصر وللعرب في الآن معاً. ذلك أن انكفاء مصر كما هو واقع اليوم ضاعف من مشاكلها الداخلية وحمل إليها مشاكل الجوار لتنكسر عزلتها الذاتية التي تمت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.إن تجارب التاريخ تشير بوضوح إلى أنه اذا لم تردع الخارج فانه سيطرق بابك وهو ما يحصل في مصر اليوم.
 سادساً: إن التحليل الطبقي للناصرية وحصرها بالبرجوازية الصغيرة بات ينتمي الى إرث ايديولوجي فقد عموماً قيمته ولم يعد مفيدا في تفسير وتحليل الوقائع السياسية العربية ما يعني أن التقييم الماركسي للناصرية يحتاج الى اعادة نظر جدية من طرف الماركسيين العرب الاصلاحيين الذين راجعوا باخلاص تجاربهم السابقة دون ان يلتفتوا الى ضرورة أن تشمل هذه المراجعة مواقفهم السلبية من الناصرية فضلاًعن أن نقاد الناصرية الماركسيين كانوا يأخذون عليها تمثيلها للبرجوازية الصغيرة من موقع هو نفسه برجوازي صغير.عندما ننظر اليوم الى حكم سياسي ماركسي من نوع أن البرجوازية الصغيرة الناصرية سقطت في هزيمة حزيران يونيو عام 1967 وأن نظام الطبقة العاملة وحده قادر على خوض مجابهة مظفرة في الصراع العربي الاسرائيلي فإن هذا الحكم يبدو مضحكا ليس لان البرجوازية الصغيرة ما زالت في مكانها بعد عقود على اعلان سقوطها بل لان البورجوازية الصغيرة الموصوفة تخوض مجابهات ناجحة ضد اسرائيل في جنوب لبنان وفلسطين والعراق بل ربما ندين لها بأول انتصار جدي في الصراع العربي الاسرائيلي. لقد اطلقت المعارضة الماركسية النار على الناصرية قبل وفاة عبد الناصر وبعد وفاته فساهمت من حيث لا تريد في صعود الرأسمالية الطفيلية والمتوحشة الى سدة الحكم في مصر مبرهنة عن بؤس مدقع في النظر والتحليل والاختيار السياسي.نعم ينتمي هذا البؤس الى الماضي فهل يصفه أصحابه أو من تبقى منهم على قيد الحياة؟لقد فعلت فريدة النقاش ويا حبذا لو يفعل صادق جلال العظم و أحمد فؤاد نجم وآخرون.لكن ما قيمة الناصرية فعلا.
قيمة الناصرية
يجمع نقاد الناصرية عن حق ان "الريس" لم يخلف من بعده حزباً جديراً بالتعبير الحصري عنه وعن تجربته.لذا يلاحظ أن الاحزاب الناصرية في العالم العربي متعددة ومتباينة واحيانا تتنازع إرث الرجل وقد أخفقت خلال اكثر من ثلاثة عقود في تجاوز انقساماتها وحساسيتها المحلية والقطرية وبالتالي الاتفاق على صيغة توحيدية تنم عن احترام اقله معنوي لسيرة "الريس".ربما تكون المحدودية الايديولوجية التي ميزت الناصرية مسؤولة جزئيا عن تشتت ناصريي هذه الايام لكن المحدودية نفسها تضفي جاذبية على الناصرية كحركة تحرر ذات أفق مفتوح على الافادة من التجارب السياسية المختلفة.
 ينطوي "فلسفة الثورة" كتاب عبد الناصر الاساسي على عناوين واختيارات سياسية عامة.انه أشبه ب "البيان الشيوعي" لكارل ماركس وفردريك انجلس من دون الجهاز الايديولوجي المتكامل للماركسية وبالتالي يصعب أن تبنى عليه وحده اممية عربية وإفريقية وإسلامية أو عالمية.بالمقابل يتيح الكتاب كما مواقف وسياسات جمال عبد الناصر المتصلة بالهوية والوحدة العربية والنضال ضد الاستعمار والحركة الصهيونية و الدعوة للنظام العالمي العادل. كل ذلك يتيح انتماء عريضا لارث عبد الناصر يتعدى الاطر الحزبية الى فئات واسعة من العرب بين المحيط والخليج. بهذا المعنى تشبه الناصرية في العالم العربي الديغولية في فرنسا والبوليفارية في أمريكا اللاتينية والاتاتوركية في تركيا والبيرونية في الارجنتين و الغاندية في الهند.. الخ.
لم تترهل العديد من الاختيارات السياسية الناصرية خصوصا ما يتصل منها بالهوية والوحدة والسيطرة على الموارد العربية وبناء فضاء سياسي متضامن ومواجهة التسلط الدولي والحركة الصهيونية وثقافة الممانعة ..الخ. هذه الاختيارات كانت و ما زالت وستبقى صالحة ما يعني ان ما صنعه عبد الناصر ينطوي على قيمة تبادلية راسخة يصح معها القول ان العربي كان او هو اليوم او سيكون يوماً ما ناصرياً.6
هوامش:
1 استخدم تعبير "ابن البوسطجي" بفخر وتقدير وليس بمعيار سلبي على ما درج أبناء البرجوازية المصرية خلال عهد عبد الناصر وأحيانا بعده.
  2  لم يجد جان ماري لوبن زعيم الجبهة الوطنية الفرنسية المناهضة للأجانب عموماً والعرب والمسلمين بخاصة لم يجد افضل من عبارة عبد الناصر الشهيرة "ارفع رأسك يا أخي" يوجهها لشعبه لحثه على النهوض" ... رسالة افتخار(...) أستعيرها من جمال عبد الناصر الشخصية التاريخية للقومية العربية(....) نعم ارفعوا رؤوسكم أيها الفرنسيين فان عهد الذل قد مضى" والجدير بالذكر أن لوبن شارك في غزو السويس عام 1956 كان مكلفاً بجمع جثث القتلى ودفنها وهو متهم بممارسة التعذيب في الجزائر العاصمة خلال الثورة الجزائرية وكان من بين أكثر الفرنسيين عداء لناصر بسبب دوره العروبي الذي طال في حينه المصالح الاستعمارية الإسترتيجية الفرنسية.
راجع خطاب لوبن في عيد "جان دارك" 1 مايو أيار 2003 منشور في جريدة الحزب " ناسيونال إيبدو" في الأسبوع الأول من مايو ايار من العام نفسه.
3 كان مناحيم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل وعدد من قادة إسرائيل يعتبرون أن الناصرية تشكل الخطر الأكبر على دولتهم.
4 سد أسوان هو اكبر مشروع مصري منذ إنشاء الأهرامات الفرعونية.كان يعبر عن إرادة قوية في تحدي الكولونيالية .بلغت تكاليفه 450 مليون جنية مصري. تم استرداد الكلفة خلال عامين ذلك انه في العام الواحد يمكن حساب 140 مليون جنيه من الانتاج الزراعي و100 مليون جنيه من الطاقة الكهربائية.10 ملايين كلفة التوفير من الفيضانات. و5 ملايين توفير ناجم عن كلفة تحسين الملاحة في النيل. لقد برهنت الثمانينات عن أهمية السد بالنسبة لمصيرالاقتصاد المصري فقد اجتازت مصر 9 سنوات جفاف خلفت كوارث في السودان التي لا تملك سداً مشابهاً .صحيح ان السد حرم مصر من ما قيمته 7 ملايين دولار سنوياً من سمك السردين الذي هرب من المنطقة بعد إقامة السد لكن ذلك أدى أيضا إلى تطوير الصيد البحري المصري في الأعماق وبالتالي إضافة مصادر سمكية أخرى إلى جانب السردين ناهيك عن أن بحيرة ناصر تنتج 2000 طن من السمك سنوياً. يبلغ إنتاج الطاقة الكهربائية من السد 9 ملايين كيلوات في الساعة و30 بالمئة من الطاقة تستهلك في مصانع الأسمدة." إن سد أسوان هو العمود الفقري للبحبوحة الزراعية والصناعية والاجتماعية الاقتصادية في مصر.لقد تحققت أهداف السد في مجال إنتاج الطاقة الكهربائية و توفير المياه لري الأراضي الزراعية المستصلحة والقديمة. في تنويع المحاصيل. في حماية البلاد من الفيضانات والشح المائي.في السياحة في الصيد في البحيرة في تحسين الملاحة.في خلق فرص عمل وفي تأهيل جيل جديد من المهندسين ومن التقنيين والعمال المؤهلين.وفي المحصلة العامة زيادة الدخل الوطني."
نقلاً عن موقع: www.enpc.fr
5 التعبير للكاتبة المصرية فريدة النقاش.
6 استعير هذا الوصف من شائع القول عن الديغولية في فرنسا.
7 الأقدام السود هم الفرنسيون والأوروبيون الذين استعمروا الجزائر و بعضهم ولد فيها منذ العام 1830 وكانوا يعتبرونها أرضاً فرنسية وقد اضطروا لمغادرة الجزائر بعد استقلالها عام 1962 ويعتبرون أن جمال عبد الناصر يتحمل مسؤولية أساسية عما أصابهم.
 8 خاض جمال عبد الناصر معارك طاحنة مع فرنسا التي كان يحكمها الاشتراكيون.فقد تسبب في انهيار الجمهورية الرابعة الفرنسية الاشتراكية بعد غزو قناة السويس الفاشل وتسبب بإضعاف الاشتراكيين في باريس عبر دعم الثورة الجزائرية وكان بمثابة كابوس حقيقي لهؤلاء الذين اضطروا للطلب من خصمهم شارل ديغول تسلم الحكم لإنقاذ فرنسا من ورطتها الممتدة من السويس إلى جبال الجزائر والمغرب العربي الكبير بفعل التدخل الناصري.

 9 المقصود بالجنرالات الذين هزموا في السويس وفي الجزائر وكانوا يحتفظون بحقد مرضي على جمال عبد الناصر ومن بينهم الجنرال جاك ماسو والجنرال سالان والجنرال بيجار وغيرهم

عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كاتب/ احمد ناصر الشريف
مرة أخرى الساحل الغربي.. محرقة تحالف العدوان
كاتب/ احمد ناصر الشريف
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
كاتب/ احمد ناصر الشريف
نافذة على الأحداث:العيب فينا وليس في سوانا
كاتب/ احمد ناصر الشريف
الأكثر قراءة منذ 24 ساعة
عبدالسلام التويتي
المبادرةُ الأمريكيةُ جِهَنَمِيّةُ الأهداف محفِّزةٌ على الاصطفاف
عبدالسلام التويتي
مقالات
حان الوقت للخروج من دائرة الرهانات الخاسرة قبل فوات الأوان!
كتب / المحرر السياسي
استاذ/سالم صالح محمدهنيئاً أيها القائد
استاذ/سالم صالح محمد
بروفيسور/سيف مهيوب العسليفمتى يفيق بعض العرب؟!
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
استاذ/عباس الديلميلقد صدقته ياحميد
استاذ/عباس الديلمي
صحيفة الشرق القطرية :منعطف خطير
صحيفة الشرق القطرية :
مشاهدة المزيد