الأربعاء 19-09-2018 06:15:12 ص : 9 - محرم - 1440 هـ
أربعة عقود على هزيمة حزيران عودة إلى سيرة عبد الناصر(2-3)
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 3 أشهر و 4 أيام
الخميس 14 يونيو-حزيران 2007 07:30 ص
بعد أربعين عاما على حرب حزيران يونيو 1967 ما زلنا نبكي الهزيمة وننوح على أطلالها.في هذه الأيام تملأ شاشاتنا صور الدبابات المحروقة والجنود المستسلمين وكأننا هزمنا بالأمس وليس قبل أربعة عقود. وفي هذه الأيام يحمل كثيرون على الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بوصفه رمزا للهزيمة فهل كان ناصر بالفعل زعيما مهزوما
وهل يمكن اختصار ما صنعه بحرب حزيران؟ فيما يلي محاولة للرد على هذا السؤال استنادا إلى كتاب " مصر بعيون الفرنسيس" على أن تأتي الهوامش في الجزء الثالث و الأخير من هذه المقالات.
تولى ناصر الحكم مباشرة منذ العام 1954م وحتى العام 1970م أي ما يعادل 16 عاما قلب خلالها أوضاع مصر والعالم العربي رأسا على عقب فكان أن وضع حدا لقرون من الغياب العربي عن مسرح العلاقات الدولية ولعل ما قام به ينطبق عليه وصف بول فاليري للثورات حيث يقول إن بعضها "يمكن أن تحقق إنجازات في عامين يحتاج تحقيقها إلى مئة عام ويمكن لبعضها الآخر أن يضيع في عامين إنجازات عمرها خمسة آلاف عام" 
ككل الثوريين تعرض عبد الناصر لنوعين من الغضب. غضب المتضررين وقد اشرنا إليهم للتو و"غضب المحبين"5 وهم أولئك الذين رفضوا اثر هزيمة حزيران يونيو 1967 واستقالة الريس والقوا اللوم على الناصرية جراء سؤ إدارتها للصراع مع إسرائيل دون أن يتنكروا لها وهم يشكلون الأكثرية الساحقة من المصريين والعرب.. بين غضب المحبين وغضب المتضررين تجتمع المآخذ المتداولة على الناصرية في الخطوط العامة التالية:
أ ناصر "هتلر" العرب. أسس حكما ديكتاتوريا. كان مأخوذا بمنهج عبادة الفرد. ساد الحزب الواحد في عهده ومنعت التعددية الحزبية.افتقر عهده إلى الديموقراطية.  
ب  انتهكت في عهده حقوق الإنسان على نطاق واسع. امتلأت السجون بالمعتقلين وساد التعذيب.انتهكت حرية التعبير.سادت البروباغاندة ومثالها الساطع احمد سعيد.
ج غلب السياسة العربية على السياسة الداخلية المصرية. بدد مصادر البلد في ثورة اليمن. حشر مصر في صراعات خارجية باهظة الكلفة.
د هزم في حرب حزيران يونيو عام 1967م ومازال العرب يعانون حتى اليوم من آثار الهزيمة
ه انتشر في عهده الفساد وتفشت المحسوبية وانتشرت البيروقراطية.
و اخفق في بناء مؤسسات عصرية.
ز اعتمد نظاما اشتراكيا مركزيا وكان ممثلا أمينا للطبقة البرجوازية الصغيرة.
تبدو هذه الاتهامات صحيحة أو خاطئة بحسب زاوية ومقاييس النظر إليها.فالقول أنه "هتلر" العرب يستند إلى معيار غربي وقد استخدم هذا الوصف في فترات الصراع بين الناصرية والدول الغربية الاستعمارية وإسرائيل لتعبئة الرأي العام في هذه البلدان ولتذكير اليهود بالمحرقة والإيحاء أن ناصر يحمل لليهود مصيرا مشابها لذلك الذي حمله لهم هتلر في الحرب العالمية الثانية. وكان الغربيون يؤكدون لشعوبهم أن عدوانية ناصر وتوسعه وتهديده لأنصار الغرب في العالم العربي شبيه بعدوانية هتلر وتوسعه وتهديده للدول الأوروبية وقد اعترف بعض الساسة الغربيون بهذه الخدعة في فترة متأخرة من حياتهم.ويلاحظ أن وصف "هتلر العرب" أطلق على كل الزعماء الذين واجهوا الغرب ومن بينهم صدام حسين وفيديل كاسترو ومعمر القذافي وياسر عرفات وحافظ الأسد وأخيرا السيد حسن نصرالله .والحق أن العرب لم يكرروا هذا الوصف في أدبياتهم السياسية ضد ناصر والناصرية فظل محصورا ولبعض الوقت بعدد من خصوم الرئيس المصري الغربيين ويمكن القول عموما أن هذا الوصف تلاشى تماما وما عاد احد في الغرب يستخدمه في معرض الحديث عن ناصر والناصرية في حين أن النازية ماانفكت بعد سقوط نظامها في الحرب العالمية الثانية حاضرة في الغرب كإيديولوجية عنصرية تستوجب المكافحة والشجب.
 وإذا كان نقاد ناصر العرب قد تجنبوا نعته بالهتلرية فان كثيرين منهم لم يبخلوا عليه وما زالوا بنعت "الديكتاتور" وما يتبع من أوصاف مكملة حول "نظام الحزب الواحد" وانتشار "عبادة الفرد" وحظر التعددية الحزبية والتنكر للديموقراطية وانتشار الفساد والبيروقراطية وانتهاك حقوق الإنسان وتقييد حرية التعبير. تبدو هذه المآخذ فظيعة بالقياس إلى نمط الحياة السائد اليوم في الدول الغربية الغنية لكنها سرعان ما تفقد هولها إذا ما نظرنا إليها من الزوايا التالية:
أولا: الصراع العربي الإسرائيلي.من المعروف انه منذ نشؤ إسرائيل وحتى اليوم ما زالت الدول الغربية تنظر الى كل من يقاوم هذه الدولة نظرة عداء وتصف زعماء المقاومة باوصاف شنيعة(دكتاتور. متسلط.مستبد . ارهابي. ظلامي. متطرف. أصولي..الخ) دون الوقوف عند المشاعر والحقوق العربية ودون حساب المخاطر التي يتحملها العرب جراء المشروع الصهيوني. والظاهر أن الغرب يريد اعتراف العرب باسرائيل كأية دولة من دول المنطقة هذا إن لم يطمح لتنصيبها زعيمة على الشرق الاوسط ولعل هذا ما يفسر جانبا اساسيا من جوانب الهوس العدائي الغربي لناصر والناصرية التي رفضت الخضوع للاملاء الغربي في هذه القضية.
لنتخيل أن دولة غريبة تماما عن أوروبا نشأت في وسط القارة الأوروبية فهل يمكن لأوروبا أن تتصرف إزاءها وكأنها غير موجودة؟ يصعب ذلك بالطبع فكيف إذا كان نشؤ هذه الدولة قد تسبب بتشتيت شعب بكامله في محيطها. شعب يرتبط بتاريخ مشترك مع هذا المحيط ويتحدث لغته ويعتنق دينه ثم إن الدولة العبرية رفعت منذ قيامها شعارا توسعيا بحدود توراتية تمتد من الفرات إلى النيل.فكان قيامها بصيغتها الصغرى دليلا على قيامها الموعود بصيغتها الكبرى وبالتالي مصدر خوف مصيري لمحيطها ناهيك عن أن وجود هذه الدولة كان وما زال محل أجماع ودعم من سادة العالم. ويرتبط وجودها بشروط تدفق النفط العربي إلى الأسواق العالمية ومن بين هذه الشروط سيادة نظام سياسي عربي مطمئن للغرب وتلعب فيه إسرائيل دورا رادعا و أداة إخضاع دائمة لمحيطها. لقد تزامن نشؤ النظام الناصري الى حد ما مع اعلان دولة إسرائيل وكان عليه أن يعيش معها حال حرب وان ينفق موارده على هذه الحرب وان يوفر شروطا عربية رادعة لإقامة الدولة التوراتية من الفرات إلى النيل فضلا عن إعادة الفلسطينيين إلى أرضهم. هل يطلب من دولة تعيش حال حرب دائمة مع إسرائيل ومع الإمبراطوريات ألاستعمارية وفي ظل الحرب الباردة أن تتصرف ككوريا الجنوبية أو اندونيسيا أو ماليزيا أو غيرها من الدول التي لا تتعرض لتهديد مصيري؟ثمة من يقول أنه كان على مصر ان تخضع كما خضعت من بعد لكن الخضوع لم يكن خليقا بزعيم ثوري كجمال عبد الناصر.
لقد عاشت مصر طيلة السنوات الناصرية حالة حرب فعلية مع إسرائيل ومع التيارات السياسية العربية المرتبطة ارتباطا وثيقا بحلفاء إسرائيل الغربيين ناهيك عن الاستعمار القديم الذي كان يمكث على صدور العرب هنا وهناك بين المحيط والخليج وكان من الطبيعي أن يترتب عن هذا الصراع كلفة كبيرة داخل مصر على كل صعيد وأن يدفع معارضو الاستراتيجية الناصرية والمعادين لها ثمنا باهظا على الصعيدين المعنوي والمادي وبالتالي أن ينضموا جراء ذلك الى خصوم الناصرية الغربيين مباشرة او يتبنوا خطابهم المناهض لها بصورة غير مباشرة.إن كل تقييم للناصرية خارج هذا الاطار ينم عن رغبة في اصدار احكام مسبقة على جمال عبد الناصر والانتقام منه بعد وفاته.
ثانيا: لقد حملت الثورة المصرية مشروعا تغييريا وكان عليها أن تخلف وراءها متضررين كثر أبرزهم حكام مصر السابقين وكامل البيئة الاجتماعية التي تشكلت حولهم من جهة ومنافسي الناصرية الإيديولوجيين من جهة أخرى.إن انتهاكات حقوق الإنسان قد طالت بالفعل هذه الفئات فقد التقى في السجن الناصري محمود أمين العالم الماركسي و مصطفى أمين الليبرالي وسيد قطب الإخواني. ما من شك إن كلفة المشروع الناصري في حقوق الإنسان كانت كبيرة لناحية التعذيب في السجون والاعتقالات الكيفية وإخضاع المعارضين للمراقبة والمتابعة المخابراتية و حرمانهم من التعبير الحر وسيادة الإعلام التعبوي الذي يستدل اليوم عليه بالصحافي المعروف احمد سعيد
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
ﺧﻄﺎﺏ ﺍﻟﺴﻴﺪ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻭﺍﻟﺤﺎﺿﺮ
أمة الملك الخاشب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
توفيق الشرعبي
معركة الحديدة!!
توفيق الشرعبي
مقالات
صحيفة 26 سبتمبرالدم الفلسطيني
صحيفة 26 سبتمبر
استاذ/عبد الجبار  سعدإلى أستاذي الحكيمي مع التحية
استاذ/عبد الجبار سعد
بروفيسور/سيف مهيوب العسليالديمقراطيون الحقيقيون
بروفيسور/سيف مهيوب العسلي
مشاهدة المزيد