الأربعاء 19-09-2018 15:29:46 م : 9 - محرم - 1440 هـ
الحوار الذي صار عقيدة... في اليمن
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 11 سنة و 3 أشهر و 19 يوماً
الخميس 31 مايو 2007 06:59 ص
لم تؤثر الأحداث الدائرة في محافظة صعدة على احتفال اليمن بالذكرى السابعة عشرة للوحدة. جرت الاحتفالات كما كان مقرراً لها أن تجري في محافظة أب هذه السنة. وتضمّن الاحتفال الذي حضره الرئيس علي عبدالله صالح مهرجاناً شبابياً وأوبريت عن الملكة أروى. وظهرت في الأوبريت الملكة، أي إمرأة تقود الرجال وتسير في مقدمهم،
في اشارة رمزية الى وجود عقلية تسعى الى تطوير اليمن بعيداً عن أي نوع من الرضوخ للفكر المتزمت الذي تنادي به الأحزاب والتنظيمات الدينية المتطرفة. كذلك، تضمنت العروض التي ظهر فيها نساء ورجال في رقصات يمنية، أغنية بالانكليزية أدتها فتيات يمنيات عكسن رغبة أكيدة في الانفتاح على كل ثقافات العالم وعلى كلّ ما هو حضاري فيه.
لكنّ أهم ما كان في الاحتفال الكلمة التي ألقاها الرئيس اليمني ودعا فيها المتمردين في محافظة صعدة المحاذية للسعودية الى الحوار بعد إلقاء أسلحتهم. كان كلام علي عبدالله صالح بسيطاً ومقنعاً وفحواه أن الحوار أفضل من الاقتتال وأنه ما دام على المتقاتلين أن يتحاوروا فيما بينهم في نهاية المطاف، لماذا لا يفعلون ذلك الآن بدل أن يعودوا الى الحوار بعد جولة جديدة من القتال يسقط فيها مزيد من القتلى. والقتلى يمنيون أوّلاً وأخيراً. انهم رجال ونساء وأطفال معظمهم أبرياء لا علاقة لهم بالفكر المتخلف الذي ينادي به الحوثيون الذين يقاتلون الجيش اليمني في صعدة منذ نحو ثلاث سنوات من دون هدف واضح باستثناء الرغبة في إعادة الإمامة الى اليمن بعد ما يزيد على أربعة عقود من دفن النظام الكهنوتي المتخلّف. يسقط القتلى تحت شعار "الموت لأمريكا" و"الموت لاسرائيل". الشعار شيء والحقيقة شيء آخر. في صعدة لا يموت سوى اليمنيين أكانوا من أفراد الجيش الوطني الذي بذل الغالي والرخيص دفاعاً عن البلد ووحدته أو من الأهالي الذين لا علاقة لهم بشعار مستورد يقبض كل من يطلقه مبلغاً بالدولار الأمريكي. هذا الدولار الأخضر الذي يصير "مالاً طاهراً"، على حد تعبير السيد حسن نصرالله الأمين العام ل"حزب الله" في لبنان عندما يكون مصدره ايران!
لا بدّ من الأعتراف بأنّ ما تشهده محافظة صعدة خطير، بل خطير جدّاً، خصوصاً إذا اخذنا في الاعتبار أن الحوثيين يستخدمون الدعم الأيراني لأثارة حساسيات ذات طابع مذهبي في بلد يمتلك مجتمعاً أبعد ما يكون عن مثل هذا النوع من الحساسيات. ولعل أخطر ما في ظاهرة الحوثي أن التمرد لا يقول ما الذي يريده باستثناء أنّه يريد اعادة الإمامة. يستطيع ذلك في حال لجأ الى الوسائل الديموقراطية المعتمدة في اليمن وفي حال كان الشعب اليمني يقبل بالعودة الى خلف. الإمامة لا تستعاد بالقوة. لماذا يخشى الحوثيون إذاً صناديق الاقتراع؟ هل يخشون الصناديق أم يخشون أبناء الشعب اليمني الذي لا يمكن القبول بالعودة سنوات، حتى لا نقول قروناً، الى خلف.
كان نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية اليمني الدكتور رشاد العليمي في غاية الوضوح عندما قدّم في المؤتمر الصحافي الذي عقده في صنعاء الخميس الماضي أدلة على مدى التورط الأيراني في الأحداث التي تحولّت محافظة صعدة مسرحاً لها. كان كلام وزير الداخلية اليمني مقنعاً الى أبعد حدّ، خصوصاً عندما أشار الى أن السفير الايراني في صنعاء والقائم بالأعمال كانا يؤديان باستمرار مناسك العمرة والحج... مع واجب المرور في صعدة في طريقهما الى السعودية. قدّم الوزير ما يكفي من الوثائق والأدلة على التورط الايراني. كانت لديه وثائق وأدلة تكشف ضخامة المؤامرة التي يتعرّض لها اليمن بغية أستنزاف البلد ومنعه من الانصراف الى التنمية وتطوير موارده والتجربة الديموقراطية التي يسعى الى ترسيخها.
يبدو هدف المؤامرة التي يتعرّض لها اليمن واضحاً. أنه يتلخّص بأن المطلوب أن يكون "ساحة" أخرى تحاول ايران من خلالها ممارسة لعبة الابتزاز مع هذه الدولة العربية أو تلك... أو مع الأمريكيين. هذه المرّة اخطأت ايران في العنوان، لا لشيء سوى لأن اليمن ليست لقمة سائغة، خصوصاً أن لدى مجتمعها القدرة على التمييز بين الشعارات المضللة من جهة وبين الواقع من جهة أخرى. المواطن اليمني أذكى بكثير مما يعتقد. يمتلك ذكاءً فطرياً يسمح له بالتفريق بين الصح والخطأ وبين الحق والباطل. وألأهم من ذلك كله أن القيادة في اليمن مستعدة للذهاب الى النهاية في السعي الى العودة الى الحوار وتفادي المواجهة. في النهاية، الحوار بالنسبة الى الرئيس علي عبدالله صالح بمثابة عقيدة. اعتمد عقيدة الحوار منذ الأسبوع الأوَل لرئاسته في العام 1978 من القرن الماضي. وقتذاك، شكّل لجنة لصياغة الميثاق الوطني. ومع بدء اللجنة عملها، توتر الجو مع الشطر الجنوبي وحصلت حرب فبراير - شباط 1979 بين الشطرين. وما كادت الحرب تنتهي حتى شكل لجنة للحوار الوطني ضمت عناصر كان يعرف جيداً أنها تنتمي الى "الجبهة الوطنية الديموقراطية" التي كانت مؤلّفة من شماليين موالين للنظام في الجنوب. أكثر من ذلك، كانت الجبهة التابعة للنظام في عدن تستولي على أراضٍ في الشطر الشمالي، من قعطبة الى ريمة المطلة على البحر الأحمر. نجح الحوار وأدى في النهاية الى نوع من الهدنة والى استعادة الشطر الشمالي أراضيه بأقل مقدار من الخسائر البشرية. وبالحوار، تحققت الوحدة، علماً أنّه كان في استطاعة علي عبدالله صالح حسم الوضع في الجنوب بعد أحداث 13 يناير 1986.فضّل آنذاك الانتظار على التدخل العسكري الذي كان مبرراً نظراً الى أن ما كان يشهده الجنوب يعتبر حرباً أهلية بكلّ معنى الكلمة وأن السلطة الشرعية ممثلة بالرئيس علي ناصر محمد (الرئيس الجنوبي وقتذاك) كانت ترحب بأي تدخل مصدره الشمال. تحققت الوحدة في الثاني والعشرين من مايو – أيار 1990 عبر الحوار وكانت في الواقع نتيجة لانهيار النظام في الجنوب وهرب أهله الى الوحدة لانقاذ أنفسهم أوّلاً.
وفي العامين 1993 و 1994 ، استنفد علي عبدالله صالح كلّ أنواع الحوار مع الحزب الاشتراكي اليمني الذي كان يتزعمه السيد علي سالم البيض تفادياً لأية مواجهة عسكرية. تحمّل الرئيس اليمني كلّ أنواع الاساءات وقدم تنازلات كبيرة، بما في ذلك قبوله "وثيقة العهد والاتفاق" التي كانت تُلغي صلاحيات الرئيس الى حدّ كبير، وذلك كي لا تراق الدماء. لم يلجأ الى الحسم العسكري إلاّ بعد انسداد كل السبل أمامه وبعدما راهن الحزب الاشتراكي على أن في استطاعته فرض الانفصال بالقوة. خرج اليمن منتصراً من المواجهة، وكان لا بدّ من العودة الى الحوار ولكن في ظلّ موازين مختلفة صبّت في مصلحة علي عبدالله صالح.
في الأمكان أيضاً الاشارة الى المؤامرة التي استهدفت اليمن بعد فشل محاولة الانفصال والمتمثلة في الأحتلال الاريتري لجزيرة حنيش اليمنية وجزر أخرى قريبة منها. كان مطلوباً سقوط اليمن في فخ التدخل العسكري لتحرير حنيش والجزر الأخرى. لم يقع في الفخ لسبب في غاية البساطة هو أن هناك عقيدة اسمها الحوار. بالحوار واللجوء الى التحكيم الدولي، استعادت اليمن حقوقها وفشلت المؤامرة التي لم تكن أريتريا الطرف الوحيد المتورط فيها.
يفترض في الحوثيين التواضع قليلاً وأخذ كل هذه التجارب في الاعتبار. التوق الى الحوار لا يعني بالضرورة ضعفاً. الحوار اليوم أفضل من الحوار غداً. من انتصر بفضل الحوار في المواجهات المتعددة مع النظام الماركسي في ما كان يسمى الجنوب، ومن انتصر بفضل الحوار على مؤامرة الأنفصال، لا يمكن أن ينهزم أمام المؤامرة الجديدة الهادفة الى اعادة اليمن قروناً الى خلف في أحسن الأحوال أو ادخالها في حروب أهلية ذات طابع مذهبي في أسوأ الأحوال. عقيدة الحوار لا يمكن ألاّ أن تنتصر لأنّها ذات ارتباط بالمستقبل وليس بالظلم والظلام والظلامية!