الثلاثاء 25-09-2018 20:45:32 م : 15 - محرم - 1440 هـ
عرب الألفية الثالثة:حمى الانتخابات العربية:غزة - بيروت - بغداد
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 13 سنة و 7 أشهر و 18 يوماً
الجمعة 04 فبراير-شباط 2005 08:58 م
تنتشر هذه الأيام حمى انتخابية حقيقية في العالم العربي. فمن غزة إلى بغداد مروراً ببيروت توجه أو يتوجه ملايين الناخبين العرب إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثلين محليين أو برلمانيين أو تشريعيين.ورغم تعدد الرهانات المحلية على هذه الانتخابات إلا أنها تشترك في كونها تتم في ظل انخراط أمريكي وتدخل أجنبي غير مسبوق في شؤون الشرق الأوسط وفي ظل ممانعة صريحة لهذا الانخراط أو مباركة اشد صراحة.
في غزة فازت حركة حماس الإسلامية ب80 بالمئة من مقاعد المجالس البلدية.وكانت من قبل قد حققت فوزاً كبيراً في بلديات الضفة الغربية. بعد محليات غزة بات المشهد التمثيلي الفلسطيني مرسوماً بوضوح بين تيارين: فتحاوي يراهن على فوزه في الرئاسيات معتبراً انه تفويض شعبي يتيح للسلطة الفلسطينية السير بخيار المفاوضات مع إسرائيل حتى النهاية. وتيار إسلامي يعتبر أن فوزه في البلديات هو تفويض شعبي كاسح ليس فقط لرفض الفساد والفاسدين وإنما أيضا كاحتياط لا يستهان به في الممانعة الإسلامية لخيار تجميد عمليات المقاومة ووقف الانتفاضة. التيار الأول يتمتع بعطف أمريكي صريح والتيار الثاني تصنفه الإدارة الأمريكية في خانة الإرهاب.الأول ينطوي على تأييد لقول الإدارة الأمريكية بان الديموقراطية تسمح بنهوض المعتدلين وتهمش الإرهابيين والثاني ينطوي على برهان معاكس تماماً للقول نفسه.
المهم في محليات غزة ورئاسيات فلسطين قبلها ليس رهانات وأوصاف واشنطن وتل أبيب بل الرهان الوطني الفلسطيني نفسه.فقد أظهرت صناديق الاقتراع أن الشعب الفلسطيني يولي أهمية قصوى للوحدة الوطنية الفلسطينية بدليل انه منح ثقته للسلطة وللإسلاميين في الآن معاً. أي للمفاوضات عندما يتوجب التفاوض وللممانعة والمقاومة خلال المفاوضات نفسها. هكذا نطقت صناديق الاقتراع في فلسطين بحقيقة صارخة وهي أن الديموقراطية الفلسطينية ليست وسيلة لخدمة مصالح الغير وليست تعبيراً عن إرادة الاحتلال ولا وسيلة إشعال حرب أهلية بل شاهداً على إرادة وطنية حقيقية في مواجهة المحتل. ولعل الرجاء الملح للسلطة والمعارضة في فلسطين هو أن يظل صندوق الاقتراع الحكم الوحيد والأوحد في الخلافات الفلسطينية وكل ما عداه هو خط احمر لا يجوز الاقتراب منه خصوصاً أن فلسطين مازالت، حتى إشعار، آخر على مرمى حجر من فم التنين.
دارت الانتخابات العراقية كما الفلسطينية تحت الاحتلال مع فارق أساسي هو أن الثانية تمت في إطار النضال لطرد المحتل وبمشاركة كل الأطراف الممثلة للشعب فيما الأولى انعقدت في ظل اختلاف كبير على الموقف من المحتل وبغياب أجندة صريحة حول انسحاب جنوده من البلاد وفي ظل اختلاف حول مفهوم الاحتلال نفسه.إذ يعتقد البعض أن القوات الأمريكية جاءت لتحرير العراق فيما البعض الآخر يرى أنها قوات محتلة ويجتهد في مقاومتها بضراوة تنعكس في العمليات العسكرية التي تقترب من المئة يومياً. الطرف الأول يرى أن المقاومة إرهابية والطرف الثاني يرى أن القاعدين عن المقاومة خونة ومتعاملون مع الاحتلال. الطرف الأول يشارك في الانتخابات والطرف الثاني يقاطعها ويدعو إلى ضرب صناديق الاقتراع.
هكذا يبدو الفارق واضحا بين انتخابات فلسطينية استخدمت كوسيلة لتمتين الوحدة الداخلية والتعبير عن كل الحساسيات الوطنية في ظل خيارين واضحين لطرد الاحتلال والانتخابات العراقية التي تكرس الانقسام وتضعف الوحدة الوطنية ولا تنطوي على خارطة طريق واضحة لخروج المحتل من بلاد الرافدين. في الحالة الأولى يتم التأسيس لديموقراطية في سياق المقاومة وفي الحالة الثانية تبدو الديموقراطية وسيلة لتعميق الانقسام الوطني حول الاحتلال.
بين غزة وبغداد ستدور انتخابات بيروت النيابية أواخر الربيع القادم بعيدا عن الاحتلال الأمريكي لكنها لا تنأى تماما عن مفاعيله لا بل يمكن القول بلا تردد إن الانتخابات النيابية اللبنانية ستكون محطة ثالثة بعد المحطتين الليبية والسودانية يقاس من خلالها اثر الضغط الأمريكي والأجنبي على بلدان الشرق الأوسط. والسؤال المليوني على ما يقال في برنامج من يربح المليون هو: من يربح انتخابات بيروت؟ والجواب المحتمل هو أن الرابح فيها قد يكون خاسراً في الآن معا. السبب في ذلك أن الانتخابات تتم في ضوء القرار 1559 الذي يعتبر الوجود السوري في لبنان احتلالا ويطالب بتفكيك المقاومة اللبنانية ونزع سلاح الفلسطينيين. بكلام آخر يريد القرار المذكور إحداث تغيير جذري في علاقات القوى التي أحاطت بالمجابهة الناجحة التي خاضها ويخوضها لبنان مع الاحتلال الإسرائيلي ضمن مثلث بيروت دمشق طهران.
بخلاف العراقيين والفلسطينيين راكم اللبنانيون خبرة طويلة في المساومة ويظهر اثر هذه الخبرة في قانون الانتخابات الجديد الذي يحظى بدعم من أقسام واسعة من المعارضة وأقسام واسعة من الموالاة وفئات رافضة بهذا القدر أو ذاك. لكن مشكلة هذا القانون تكمن في سوابقه التي ادت في مناسبتين( 1960 و1972) إلى انتخاب مجلس نيابي استقطابي ومن بعد إلى أزمة خانقة وحرب أهلية فهل تتكرر التجربة مع المجلس الجديد المزمع انتخابه؟ أغلب الظن أن المجلس الذي سيخرج من صناديق الاقتراع سيخلف عدداً كبيراً من المتضررين وعدداً من أنصاف الفائزين وربما لن يكون حجم التمثيل فيه مناسباً لما يأمله المعارضون والموالون على حد سواء الأمر الذي من شأنه أن يزيد من حجم التدخلات الخارجية ومعها المزيد من الاستقطاب الداخلي ومع الاستقطاب الداخلي تتجمع مجددا أجواء الفتنة لتصبح الديموقراطية مرة أخرى في لبنان وسيلة ليس لتثبيت المساومة وإطفاء الخلافات بواسطة الاقتراع كما في حالات السلم الأهلي اللبناني وإنما وسيلة لانتصار اللبنانيين على اللبنانيين بوسائل وضغوط خارجية.
لقد تعلم اللبنانيون درساً كبيراً من حروبهم السابقة هم اليوم بأمس الحاجة إليه وهو أن ديموقراطيتهم كانت نعمة على بلدهم في كل مرة تمكنوا فيها من تغليب علاقاتهم الداخلية على علاقاتهم الخارجية و كانت نقمة في كل مرة ارتضوا فيها أن تكون علاقاتهم الخارجية أقوى من علاقاتهم الداخلية بين بعضهم البعض. ينطوي اتفاق الطائف على هذا الدرس ضمن دروس أخرى فهو يحدد بوضوح وللمرة الأولى أن لبنان بلد نهائي لكل أبنائه وان لبنان عربي وليس ذا وجه عربي كما نص ميثاقه السابق على الحرب.معنى ذلك أن الخارج أصبح في دستور اللبنانيين هو الأجنبي حصرا وليس العربي و أن علاقاتهم الخارجية يجب أن تخضع لهذا التراتب.إذا التزم اللبنانيون بهذا الدرس ربما يتمكنون من اجتياز امتحان الانتخابات المقبلة بنجاح وإذا فشلوا سيكون الجحيم بانتظارهم.
في غزة وبيروت وبغداد يحتاج الناس ليس إلى ديموقراطية مبنية على الاستتباع والالتحاق والإملاء بل إلى ديموقراطية تعبر عن وحدة وطنية جلية ينتصر فيها الناخبون لبلدهم وليس للأجنبي المحتل أو الطامع بالاحتلال.في غزة وبيروت وبغداد ارتفعت وترتفع حرارة الانتخابات إلى درجة قياسية يرجى أن لا تتحول إلى حمى تقتل أصحابها بدعوى تنظيم التعايش بينهم.
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
ضرب إيران..من.. وكيف.. ومتى ؟!
محمد علي الشهاري
دكتورة/رؤوفة حسنرؤية للتأمل: ثمار العرق
دكتورة/رؤوفة حسن
مشاهدة المزيد