الجمعة 25 يوليو-تموز 2014
 
بحث متقدم
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed مقالات
RSS Feed أحمد محمد أمين
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
بحث

  
قراءة في "الدنيا في أعين الملائكة"
بقلم/ أحمد محمد أمين
نشر منذ: 7 سنوات و 3 أشهر و 3 أيام
السبت 21 إبريل-نيسان 2007 09:57 م

   العالم الذي شيده محمود سعيد في روايته الأخيرة "الدنيا في أعين الملائكة" "دار ميريت. القاهرة". 2006. مجازي، استعاري استقدمه ليعيدنا من خلاله، إلى زمن جميل، كان يشقشق بالآمال والتودد، ولا يزال مشعّاً نابضاً في متون الذاكرة. حيث يسعف الجار جاره. بما يحتاج من عون مادّي. ومشورة وحرص على كتم الأسرار، كما أن العلاقات الإنسانية كانت راسية في سلام التضحية والبذل والإيثار. والناس جميعاً شيعاً وطوائف وأدياناً تجمعهم وحدة المصير، والمواطنة، والانتماء إلى الوطن الواحد. فأين الآن؟ أين ذلك الزمن الغابر من زماننا هذا؟ زمن يجري فيه كل شيء، حياتنا، مصائرنا، مستقبلنا نحو المجهول وثمة تنتظرنا نهاية فاجعة الآن، يبدو الوطن بكل خلائقه وكائناته جريحاً تتعثّر خطاه، خلل ركام وحرائق، وقودها الجهل والضغائن والاحتراب الطائفي المذهبي الذي يسعّر أوارها الاحتلال، وأعداء لا حصر لهم من جنسيات مختلفة.
         إذاً، يهرب محمود سعيد من الطوفان والجحيم والدم الجاري في الشوارع إلى فضاء البراءة والصفاء في سردية "سيروائية" شاعرية، ماتعة، يلتقط من قاع أيامه الآفلة صوراً غشيها الغبار والنسيان، صريحة وملتبسة، فيُضفي عليها بصمة الواقعية، ويجلو عنها الصدأ، والكلس اللذين تراكما فوقها على مرّ السنوات الماضيات. وبالرغم من أن مخلوقات القاع الأعمق، لم تكن بمنأى عن المنغصات، وساعات الكرب، والضغط على الحريات ووأد طموحات الأفراد، صغارا وكباراً. إلا أن كل ذلك، كان يطوّف بسرعة وتأن. فيطفأ بالحكمة والموعظة الحسنة. ولا تصل نتائجه إلى سفك الدماء والتصفيات الجسدية.
         في "سيرواية" محمود سعيد أفضية استثنائية خلّابة من الوهج أبعد من الوهم والخيال والإبهام. لمّا تزل ساخنة، حاضرة، مؤثرة في واعيته، وإلا فكيف يسعه أن يعيد إلى الموصل وأحيائها وأناسها هذه الديمومة، والدينامية من الحياة. فصاغ من جديد ما انتثر من معالمها المندسة: أحياءً، وأسواقاً وسينمات ومقاهي وملاعب صبا. وأسماء طمرها النسيان من أهل وخلان وحبيبات. وأطياف بشرية كانت تنعم بالأمن والانسجام والتناغم، مع ذلك فثمة إشكالات كانت تعترض العائلة أيامئذ. فما كان الطفل خارج دائرة العنف والاعتداء والاغتصاب والكبت، ومسخ الطفولة إلا بشكل جزئي لا يكاد يظهر للعيان لاهتمام الآباء. بالرغم من الثالوث البغيض المسيطر (لفقر والجهل والمرض). ثالوث يربك ويعطل حركة المجتمع في أي مكان وزمان.
         في هذه المدوّنة الجميلة عوالم تتلاقح وتنسجم مع سواها في بنية سيروائية متماسكة حيث تتعايش المتناقضات جنباً إلى جنب في وئام وحياد حيناً، وفي صراع واختناق متوتر حيناً آخر. لكن لا تتصادم حدّ قطع الأواصر وإسكات الرأي الآخر. ففي البيت يلقى الطفل محمود رعاية أسرية متناغمة سلسة من لدن أبيه وأمه: "لم يرد بأي كلمة نابية لأي كان طيلة رؤيتي له، لم يكن من النوع الذي يسب أو يردّ على الإهانة بمثلها" "ص164". أمّ خارج البيت فقسوة صارمة لا تعرف الرحمة من أخيه الأكبر وحده. فقد اضطر الطفل إلى أن يعمل عنده في العطل الصيفية: "كان أحمد المكلوب لا يتركني أرتاح لحظةً واحدة، لا يرتاح إن رآني أرتاح" "ص7" "كان المكلوب يضربني لأتفه الأسباب، وربما من غير سبب أيضاً". "ص12". والطفل الذي كان (محمود) متشظٍ، كأنه بضعة أشخاص: واحد في خدمة أخيه مستلباً ومقهوراً. وآخر بمعية أبيه في دكانه الفقير، معززاً ومكرّماً، وثالث يتردد على الكتّاب والمدرسة مطيعاً نهماً للتزود بالعلم والتربية الفعلية. ورابع هائماً على سجيته يختلق له حبيباتٍ وصديقات. ليس له عدو من رفاق الطفولة، وخامس مستغرقاً في هموم الذات، مستشرفاً على عوالمها وأحلامها: ما يراه في المنام وفي أحلام اليقظة دفعاً للسآمة والملالة، وهربا من الضغوط النفسية المضايقات؛ حيث يرسم وترسم معه السيرواية بشكل واضح:
         1- اللوحات. ينطوي العمل على عدد من اللوحات صيغت بنفس تشكيلي ذي رؤى متباينة سواء تلك التي تؤرخ الشخوص أو المكان.
         *- سلَم: : وجه استله من غور الطفولة،من سدى الفرح والحزن والضياع: "استقرت في أعماقي فباتت جزءاً مني" بهذه العبارة يبتدئ ويلون لقاءه بها. ثم يضيف: طفلة بنفس عمري. عندئذ يرسم تفاصيلها، ويرينا عالمها البئيس: أحشاء البيت، أدوات طفولتها، شجرة التوت الزاحفة من بيت الجيران على الفناء، أمها المسجاة في فراشها الفقير. حصواتها الملوّنة. مضافة إليها أشواقه تجاه مفاتنها الطفلية. يعلمها القراءة والرسم، وترسمه هي على ورقة. ثم تنطفئ هذه اللقطات الآسرة الحيّة. يرينا ثانية مكانها المندرس: قالوا: إنهم رحلوا من هنا قبل ثلاثة أيام. "ص32"
         *- مادلين لوحة مغايرة مكتظّة بالصدق أوصلتنا بكل ملامحها وسلوكياتها: فرحها، نزواتها، شبقها، حزنها، محاطة بحيوات أُخر: أختها. أمها. خطيبها الذي خيّب تطلعاتها المستقبلية، وأطفأ كل القناديل التي أضاءت مشاعرها. بهجره لها، مسّبباً موتها الفاجع. ولج محمود عالمها من خلال عملها الحرفي، ثم غدا كاتم أسرارها يقرأ عليها رسائل ضياء. عندئذ انسجم مع دنياها، يهرب إليها ساعة تعروه الوحدة والضغوط النفسية. ومن خلال ريشته، ريشة محمود المعبرة بواقعية عن تفاصيل حياتها.بدت مادلين فتاة ممتلئة بالعنفوان والشهوة ، مسكونة بأحلام سرابية، وآمال خلابة، لذلك حظيت هذه اللوحة بإيقاع وأدوات فنيّة أكثر من سواها. كونه وجد فيها ما يعوّض عن حرمانه العاطفي من هذا المنطلق فإنه لم يتحرج من ذكر بعض نزواته وجموحه وشبقه تجاهها حدّ التمادي. على الرغم من أنها تكبره سنّاً ولا أظن أن بقية اللوحات ترقى إلى مستوى مادلين وسلَم.
         *- لوحات أُخر نلتقيها كما لو كان أصحابها بورترهات عايشهم، وصادفهم إبّان سنّي طفولته. بعضها يضيء بوهج صدق شاعري: سامي، لازم، شفق، سمية. وأخرى باهتة قلقة مضببة برغم وميضها المؤقت: القصاب. فاروق. حاجم وسبيكة، الملّا والكتّاب. الخ.
         أما الشهدي، وست خديجة والجزرة فقد أغدق عليها لمسات معبّرة ثرّة.
         2- في وسع القارئ أن يعتبر كل لوحة على حدة قصة قصيرة تنطوي على شروطها الفنيّة. وتستجيب لإيقاع ثيمة القص: قصة: سلَم شعاع نور مادلين حمو وسامية جمال لازم. الحب. التظاهرة باستثناء "الحب مرةً أخرى" التي شغلت مساحة أكثر من غيرها، "ض77-150" وقد ضمت بين جنباتها عدداً من القصص المتداخلة والشخصيات العابرة. لهذا سميًت هذه المدونة سيرواية. ذلك أنها لا تخضع من حيث دراميتها وأحداثها. زمانا ومكاناً لقانون الرواية. وأرى أن مثل هذا الطرح الفني قفزة تجريبية في صالح المبدع والإبداع عكس التيار التقليدي، وتبعاً لهذا إلى القول:
         3- بعض هذه اللوحات لا علاقة لها بالأخرى. هي مستقلة كياناً وزماناً وطرحاً ورؤية. مشاهد أستلت من البئر الأولى. من ماضٍ عميق. فلكلّ منها إيقاعها الخاص. كما أن زمن القص يتراجع حيناً ويتقدم أحيانا.
         4- اللغة أيضاً تتفاوت، تبهت آناً وتتوهج آنا. وثمة لوحات تتألق فيها شعرية اللغة ولاسيما تلك المتصلة بالذات والمشاعر، ولوحات أُخر عادية.
         5- في "الدنيا في أعين الملائكة" مخزون لا يستهان به من المعلومات السيسيلولوجية والتاريخية والفلكلورية لمن يروم الرجوع إلى الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، ودراسة أوضاع العراق، وبخاصة مدينة الموصل، فالسارد دوّن بأمانة وعفوية رصينة زخماً من جوانب الحياة/ الفقر والغنى/ الخير والشرّ/ الجهل والمعرفة/ انتعاش الاقتصاد وكساده. وكماً من جغرافية المدينة: جامع الآغوات، سوق العتمه ، قيصرية السبع أبواب، سوق الكوازين، والحدادين، والخياطين، والبزازين، والسكلجية، وباب الطوب، وسوق الخضار، وجسر الملك غازي، وجراديغ القصب على شاطئ دجلة، وكانت قامة محمود الطفل تدور مثل بندول الساعة في أحشائها، فهو يحفظ أسماء المحال والدكاكين واحداً واحداً. من رميم هذه الأمكنة، من غبارها، وحجرها، وطينها شيد بنيان سيروايته.
         6- كانت نبرة اللغة مختلفة متباينة في الموقف. فعبّر بلغة تراجيدية عن بعض لوحاته ممن كانت نهايات شخوصها فاجعة مأسوية: سلم/ شفق: مادلين: لازم/ بينما أضفى على حمو الحمال مسحة من الكوميديا السوداء: كان حمو "الأمي" كلفاً بسامية جمال، يتابع أخبارها من خلال قراءة محمود سعيد له في المصور وآخر ساعة، والكواكب، وحواء الخ. وحين تزوّجت من ثريّ أمريكي أصيب حمو بحالة هستيرية وجعل يهتف في السوق: تسقط أمريكا، الموت لأمريكا، ولم يدرك أن ذلك يكلّفه كثيراٍ. وبسببه زجّ في السجن.
 كما أن محموداً عبر بإعجاب عن بعض الشخصيات، الشهدي على سبيل المثال، كان يروي لهم قصصاً واقعية عن الصوفيين، وأولي الجبروت من الحكام، والسفر، والرحلات، وحصار الموصل. قصصه تختلف عن قصص الأمهات التي تدور حول الجن والطناطل وكائنات الطبيعة ليلتقط الطفل منها عبراً ودروساً.
         الدنيا في أعين الملائكة سفر ماتع تضمّ بين دفتيه ثيمات متبانية وكماً من المعلوماتية لا تتمظهر أو تنحصر في مضامينها الحياتية وحسب، بل استقدم لها ألوانا من الفن: اللوحة التشكيلية، والزخرفة، والمسرح والقصة القصيرة والتاريخ جوار الجغرافية، الخير برفقة الشر،الحياة والفناء في رحلة أبدية، هي رحلة الإنسان في نجيع الزمن، وكأني بمحمود سعيد يهرب إلى ذاته، إلى خزين ذاكرته في سدم الماضي. بعيداً عما يعرو الوطن من دمار وخراب وقتلٍ عن الهوية والمذهبية. وسفكٍ للدم جزافاً وعدواناً فهل من ملجأ آخر يحتضن شجنه ويأسه وبكاءه سوى الماضي. وأيامه الساجية السارحة في رحاب الوفاق الوطني التي قوامها المحبّة والعيش المشترك، والأمان الذي كان ملاذ الناس أيامئذ، وبات بعيداً مثل نجوم السماء.
تعليقات:
1)
الاسم: شاكر البغدادي
ما ذكره الناقد والكاتب صحيح، ففي الماضي كنا نسير في العراق بقامات منصوبة، ونسهر طوال الليله، لكن العراقيين الآن لا يبتعدون عن بيوتهم إلا والموت يترصد بهم، فحبذا مثل هذه الكتابة
السبت 28/إبريل-نيسان/2007 12:00 صباحاً
الإخوة / متصفحي موقع صحيفة 26سبتمبر نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
كاتب/ عباس غالب
متى تتحرك الشرعية الدولية؟!
كاتب/ عباس غالب
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
افتتاحية/ صحيفة الثورة اليمنية
وأداً للأحقاد وتعزيزاً للتلاحم الوطني
افتتاحية/ صحيفة الثورة اليمنية
مقالات
دكتور/محمد احمد جميعان
العدل أساس الاعتدال
دكتور/محمد احمد جميعان
إسكندرية - نيويورك
رشا عبدالله سلامة
كي تستقيم إدانة وشجب الأعمال الإرهابية
برهان إبراهيم كريم
كاتب صحفي/يحيى عبدالرقيب الجبيحي
عائض القرني.. جهاز دعائي متحرك لعقيدته.. وامته.. ووطنه!
كاتب صحفي/يحيى عبدالرقيب الجبيحي
صحيفة 26 سبتمبر
فرص واعدة للاستثمار
صحيفة 26 سبتمبر
كاتب/فيصل جلول
النهضة العربية في كازابلانكا1 - 3
كاتب/فيصل جلول
الـمـزيـد
جميع الحقوق محفوظة © 2005-2014 صحيفة 26سبتمبر
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية
انشاء الصفحة: 0.191 ثانية
أعلى الصفحة