الجمعة 21-09-2018 15:04:32 م : 11 - محرم - 1440 هـ
مجور رئيساً للوزراء.. كيف ولماذا؟!
بقلم/ كاتب/فيصل جلول
نشر منذ: 11 سنة و 5 أشهر و 16 يوماً
الخميس 05 إبريل-نيسان 2007 09:54 ص
هل كانت سيرة الدكتور مجور تنبيء بأنه سيتولى يوماً ما رئاسة الوزراء في اليمن؟ هل كانت سيرته تشير إلى انه سيتولى الوزارة ؟ أم أنه سيحتل مقعداً في الصف الأول لرجال السياسة في اليمن؟ من الصعب الإجابة عن أسئلة افتراضية من هذا النوع فيما لو بقيت البلاد مشطرة وبقيت الممارسة السياسية خاضعة لشروط ما قبل الوحدة ومع ذلك لا بأس من محاولة البحث عن إجابة تقريبة وغير بعيدة  كثيراً عن الواقع.
ربما كان الدكتور مجور مضطرا في ظل النظام الماركسي في جنوب البلاد أن يتمتع بشروط اجتماعية وايديولوجية تتيح لعب دور سياسي في الصفوف الأولى. كان عليه أن يحتفظ بموقع حزبي رفيع المستوى وبموقع قبلي مناسب أو برعاية عليا من أحد أقطاب الدولة وكان عليه أيضا أن يتمتع بحظ كبير ذلك أن المناصب العليا محدودة ومنصب رئيس الوزراء هو محطة للوصول إلى الرئاسة الأولى ما يعني أن فرص الدكتور مجور كانت ضعيفة للغاية وربما شبه معدومة لتولي هذا المنصب.
ولا يختلف الأمر كثيراً في شمال البلاد حيث كانت المناصب الوزارية والعليا في العهد الإمامي تخضع لشروط عائلية وطائفية متوارثة أما في العهد الجمهوري فكان من الصعب في سنوات الحرب الأهلية التحكم بشروط الارتقاء السياسي وفي سنوات لاحقة كان النفوذ الخارجي يلعب دوراً مهما في تحديد مصير الوزراء والمستوزرين والمسترئسين وبالتالي كانت فرص الدكتور مجور لتولي الحكومة شبه معدومة بالقياس إلى معرفتي الشخصية التقريبية بسيرته وسيرة عدد من مجايليه.
وإذا كان من الصعب توقع مستقبل الدكتور مجور السياسي في العهود السابقة فانه من الأيسر توقع ذلك في ظل نظام الحكم في اليمن بعد حرب العام 1994 .ففي هذه الفترة تخلصت البلاد من شبح الحرب الأهلية ولم تعد مهددة بالانفصال خصوصاً بعد التخلص من مشاكل الحدود ونشأت سيرورة جديدة تركزت أساساً حول ترتيب شؤون البيت اليمني وإرساء قواعد جديدة لممارسة الحكم حيث لا شروط ايديولوجية لتولي الوزارة ولا شروط طائفية محددة ولا ارتباط بجهة أو جهات خارجية بل شروط يمنية داخلية مختلفة عما سبق و يمكن الوقوف عليها من خلال سيرة عدد كبير من الوزراء الذين تولوا أو يتولون مناصب حكومية ابتداء من الوزير الأول وحتى الوزير بلا حقيبة إن وجد .
هذه الشروط غير معلنة لكن ليس من الصعب استنتاجها عبر الخطوط العريضة التالية:
أولاً: الكفاءة والاختصاص. حيث تفيد سير الوزراء الذين تولوا الحكم خلال الفترة المذكورة أنهم من حملة الشهادات الجامعية العليا بغالبيتهم الساحقة أو من ذوي الخبرات المتراكمة في مجال عملهم.
ثانيا: يغلب عليهم الانتماء إلى الجيل الجديد بما يتناسب مع الثورة الديموغرافية التي تشهدها البلاد والتي تفيد أن القسم الأكبر من السكان ولد جمهورياً أو وحدوياً وبالتالي لا بد من تعيين ممثلين لهذا الجيل في المناصب الحكومية وفي أجهزة الدولة.
ثالثاً: إن تداول المناصب الحكومية بين الأجيال لم يتم في سياق صراعي بل يراعي مقتضيات الخبرة والتجربة والاندفاع الوطني وعليه نلاحظ أن أحداً من الشخصيات السياسية التي خرجت من الحكومة لم يرسل إلى منزله متقاعداً لا قيمة له أو لا دور يصارع النسيان واليأس فالحاصل أن الخارجين من الحكومة ينتقلون عادة وفي غالبية الحالات إلى تولي مناصب لا تقل أهمية عن الوزارة في الحزب الحاكم أو في العمل الدبلوماسي أو في مجلس الشورى أو في المناصب الجامعية أو في مجلس النواب وفي غيرها وبذلك لا يكون الخروج من الحكومة بمثابة عقاب للخارج بل مجرد انتقال من موقع إلى موقع آخر لا يقل شأنا وأهمية في جهاز الدولة ومؤسساتها. ومع ذلك تجدر الإشارة إلى وجوب معاقبة الفاسدين والمفسدين وهذه القضية ينبغي أن تحتل سلم الأولويات ذلك أن الفاسد أو المفسد يجب أن يدفع ثمناً باهظاً على سوء ائتمانه لمنصبه الوطني لا أن يكافأ بمنصب جديد.
رابعاً: بات التغيير الوزاري مرتبطاً بأجندة محددة ولم يعد كيفياً أو عشوائياً فالوزارة الجديدة تأتي بعد الانتخابات الرئاسية وتتولى تنفيذ الوعود التي أطلقها الرئيس في حملته الانتخابية وقد ولدت الوزارة التي سبقتها في ظروف انتخابات أخرى واستحقاقات أخرى. إن انتظام التغيير الوزاري في أجندات محددة وقواعد محددة يقطع مع ممارسة الحكم العشوائية واضطرابه كما كانت الحال في عهود سابقة حيث كانت الحكومة تعيش أشهراً وبعضها أسابيع وكان العام الواحد يشهد حكومات بالجملة.
خامساً: بات عقد تولي الوزارة مرتبطاً بوجوب تحقيق إنجازات والالتزام بعهود مقطوعة تبرر المنصب وتحدد صلاحية الوزير.
سادساً: لم يعد بوسع المرء أن يولد وزيراً في اليمن فيما غيره يولد بقالاً ويصبح ابن الوزير وزيراً وابن البقال بقالاً في سيرورة أبدية.إن سيرة الوزراء المعروفين في الوزارات السابقة تفصح عن ارتقاء اجتماعي مؤكد لبعض الوزراء الذين ينتمون لأصول اجتماعية متواضعة. وقد وصل هؤلاء إلى مناصبهم بفضل التعليم والكفاءة العملية ما يعني أن الارتقاء لم يعد محكوماً بالأصل الاجتماعي حصراً فهو متنوع مع أولوية للكفاءة العلمية.
سابعاً: إن شروط التداول الوزاري المذكورة قد تكون أصعب على الحزب الحاكم من الشروط التقليدية ففي الحالة الأولى لابد من تحمل التبعات الناجمة عن "التجربة والخطأ" وعن الامتعاض الذي ينجم عن التداول بين التقليديين والجدد في حين أن الشروط التقليدية تتيح راحة البال و تجنب الامتعاض والحرج وإرضاء من ينبغي إرضاؤهم على حساب التغيير والإصلاح والتقدم إلى الأمام.
.. وبعد.. يظلم بعض اليمنيين دولتهم عندما يفسرون هذا النوع من التغيير تفسيراً خاطئاً كالقول أنه مريح للسلطة في حين أن البقاء على القديم مزعج لها. والمدهش أن المنتقدين أنفسهم يجزمون أن أحداً لا يمكنه في اليمن أن يزعج السلطة ما يؤدي إلى حيرة المراقب في كيفية القياس وفي متابعة النقد وتبين جدواه وصلاحيته.
وفي ظني أن الوزير الحديث التجربة ربما يزعج السلطة أكثر من الوزير المجرب ففي الحالة الثانية تستند السلطة إلى التجربة والموقع الاجتماعي لدى الوزير المعني الذي يضيف إليها نفوذاً وخبرة بينما في الحالة الثانية تتحمل السلطة وتدفع من رصيدها ثمن التجربة التي يكتسبها الوزير الجديد أثناء أداء مهامه.
خلاصة القول أن الدكتور مجور يتولى اليوم منصب الوزير الأول في اليمن في ظل قواعد جديدة للحكم لم يعد ممكناً معها للمرء أن يولد وزيراً في عائلة وزراء وجاره يولد بقالاً في عائلة بقالين فيبقى الوزير وزيراً إلى الأبد والبقال بقالاً إلى الأبد في خطين متوازيين كتعاقب الليل والنهار.أما نتائج هذا التغيير فلن تتأخر في الظهور على ملامح الدولة التي تجدد شبابها دون أن تتنكر لجيلها السابق.
  
  
عودة إلى مقالات
الأكثر قراءة منذ أسبوع
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
بومبيو يشهد زوراً أمام الكونغرس
دكتور/ عبدالعزيز بن حبتور
الأكثر قراءة منذ 3 أيام
استاذ/ عباس الديلمي
من شواهد أنهم لا يقرأون (2)
استاذ/ عباس الديلمي
مقالات
الفنّ الملتزم أم الفنّ الشرعي ؟
رشا عبدالله سلامة
كاتب/خير الله خيراللهالمبادرة العربية بين 2002 و2007
كاتب/خير الله خيرالله
استاذ/عباس الديلميكلاَّ لا وزر
استاذ/عباس الديلمي
مشاهدة المزيد