الأحد 18-11-2018 21:12:21 م : 10 - ربيع الأول - 1440 هـ
عالم يتغير: الانتخابات العراقية صفحة جديدة في الشرق الأوسط
بقلم/ كاتب/خير الله خيرالله
نشر منذ: 13 سنة و 9 أشهر و 11 يوماً
الجمعة 04 فبراير-شباط 2005 08:47 م
أي عراق بعد الانتخابات؟ هل هو عراق ديمقراطي يشكل نموذجاً لما يفترض أن تكون عليه دول المنطقة، اي بلد عصري فيه حياة سياسية طبيعية تتنافس فيه الأحزاب ويفوز من يفوز ويخسر من يخسر ويحصل تداول على ا لسلطة كما في الدول الراقية؟ أم عراق تستغل فيه فئة معينة الانتخابات من اجل الاستيلاء على السلطة فينتهي الأمر باقامة «جمهورية اسلامية» على النسق الإيراني؟ ام تكون الانتخابات الطريق الأقصر الى الحروب الاهلية خصوصاً ان الحملة الانتخابية شهدت دعوات الى إقامة إقليم في الجنوب بحجة ان «الأكثرية الشيعية» كانت محرومة من خيرات البلد في الماضي وان لابد لهذه «الاكثرية» من تعويض «الحرمان» الذي عانت منه في الماضي. ولا شك ان هذه الدعوة التي اطلقها السيد أحمد الجلبي رئيس التجمع الحزبي الذي يسمى «المؤتمر الوطني العراقي» يمكن ان تجد صدى ايجابيا لها خصوصا ان معظم النفط العراقي في الجنوب. ولا شك ايضاً ان اثارة الغرائزلدى الناس العاديين في بلد مثل العراق امر سهل متى اعتمدت شعارات رخيصة من هذا النوع تتعلق بالحرمان والمحرومين. ولكن لابد من التحذير من ان مثل هذه الشعارات لاتؤسس لدولة عصرية من النوع الذي دعت اليه الادارة الامريكية التي كانت في الماضي تدعم الجلبي وتعتبره احد رجالها في الحملة الهادفةالى اطاحة نظام صدام حسين.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يبدو ان العراق أمام ثلاثة خيارات. اما مهمة الانتخابات فليست الا لتقريبه من احدها لا اكثر ولا اقل مادام الامريكيون زرعوا بذور الفتنة منذ اليوم لاطاحتهم صدام حسين حين اتخذ الحاكم المدني بول بريمر قراره بحل الجيش العراقي ثم بتشكيل مجلس الحكم المؤقت استناداً الى معايير طائفية ومذهبية جعلت السنة العرب يشعرون بكل بساطة انهم مهمشون وان لادورلهم في العراق الجديد، عراق مابعد الاحتلال الامريكي.
يبقى الخوف كل الخوف من ان لا يتمكن الامريكيون الذين اصروا على اجراء الانتخابات في موعدها من تنفيذ حلم كل عراقي وعربي ينتمي الى العالم المتحضر والقاضي بجعل العراق نموذجاً لما يفترض ان تكون عليه دول المنطقة. اي ان يكون العراق بلداً عصريا يتساوى فيه مواطنوه وتقوم فيه مؤسسات لاتفرق بين شيعي وسني و عربي وغير عربي بل تتعامل مع المواطن بصفة كونه مساوياً لاي مواطن اخر بغض النظر عن دينه وعرقه... تضاءلت احتمالات ان يبصر هذا الحلم النور في مرحلة ما بعد الاحتلال الامريكي خصوصاً بعدما حرص المحتل على زرع بذور التفرقة التي جعلت معظم السنة العرب يسيرون في اتجاه دعم الحركات الدينية المتطرفة التي تنادي بالارهاب وسيلة لتحقيق طموحاتها السياسية. انها حركات لا مستقبل لها لأن افقها السياسي محدود لا اكثر ولا اقل، هذا من دون الحديث عن انها لا تنتمي في اي شكل الى القرن الواحد والعشرين وان التاريخ سيلفظها الى مزبلته عاجلاً ام آجلا مثلما لفظ في الماضي الحركات اليسارية المتطرفة من «الالوية الحمر» في ايطاليا الى «التوباماروس» في الارجنتين مروراً بمنظمة «بادر ماينهوف» الالمانية وذلك قبل أن يلفظ الانظمة الشمولية من الاتحاد السوفياتي السعيد الذكر الى ألبانيا انور خوجا.
لكن الحركات الاصولية التي لا مستقبل لها في العراق قادرة على خلق الكثير من المشاكل. وهي قادرة خصوصاً على ادخال البلد في دوامة الحروب الاهلية وعمليات التطهير العرقي على غرار ماحصل في يوغسلافيا اواخر الثمانينات. انها حروب ادت عملياً الى تقسيم يوغسلافيا وقيام دول عدة في الاراضي التي كانت منضوية تحت علم واحد ابان حكم الجنرال جوزف بروز تيتو.
لم يظهر الامريكيون في اي وقت انهم على استعداد لفهم الواقع العراقي القائم على توازنات دقيقة لم يستطع صدام حسين المحافظة عليها الا باعتماد القهر والظلم والبطش والوحشية. ولذلك لم يجد في النهاية من هو على استعداد للدفاع عن نظامه خصوصاً بعد ارتكابه جريمة غزو الكويت مظهراً انه غير قادر على استيعاب المعطيات الاقليمية والدولية في اي وقت من الاوقات.
تفادياً للخيارين الاخيرين اي خيار «الجمهورية الاسلامية» على الطريقة الايرانية وخيار الحروب الاهلية، يفترض في الامريكيين الذين يحتلون العراق التفكير بطريقة ما للعودة الى الخيار الاول وإبقائه حياً. والسؤال الكبير هل فات اوان ذلك؟ الجواب ربما لا وذلك لسبب في غاية البساطة ان الوقت لم يفت لاعادة بعض التوازن الى الوضع العراقي عبر منع تنفيذ مشروع «الجمهورية الاسلامية» على الطريقة الايرانية من جهة والسعي الى طمأنة السنة العرب الى انهم لن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية في العراق الجديد من جهة اخرى. ومن اجل منع تنفيذ مشروع ايراني في العراق يمكن المراهنة على ان شيعة العراق في معظمهم هم من العرب وقد دافعوا عن ارض العراق في حرب الخليج الاولى بين العامين 0891 و8891م وافشلوا الهجمات الايرانية على البصرة وابقوا العراق قلعة صامدة في وجه كل من اراد المراهنة على انهم يمكن ان يتخلوا عن وطنهم.
كيف يستطيع الامريكيون المساعدة في تغليب التيار الشيعي العربي على غيره من التيارات التي تحاول ابعاد الشيعة عن العروبة. ذلك هو التحدي الذي يواجه الامريكيين الذين عليهم في الوقت نفسه السعي الى اعطاء امل للسنة بان لهم مكاناً في العراق، وان العراق الجديد وطن للجميع وانه ليس صحيحاً ان ايران ستحقق بفضل الحرب الامريكية ماعجزت عن تحقيقه في حرب 0891- 8891.
في كل الاحوال وبغض النظر عن النتائج النهائية للانتخابات العراقية، ان ماجرى يوم 03 يناير 5002م كان فتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الاوسط وليس فقط في تاريخ العراق الدولة الحديثة التي تأسست في العشرينات. فبعد الانتخابات العراقية، هناك للمرة الاولى في التاريخ العربي الحديث دولةعربية يمكن ان تسمى دولةعربية محكومة من «أكثرية شيعية»، وذلك بغض النظر عما اذا كان هناك مايثبت حقاً ان الشيعة اكثرية في العراق كما يقول كثيرون من دون تقديم اي مستندات حقيقية تدعم هذا الواقع.
ان مثل هذا التطور يمكن أن يكون سلبياً كما يمكن ان يكون ايجابياً. يمكن ان يكون سلبياً اذا كانت الدولة العراقية الجديدة مسرحاً لحروب اهلية او لاستمرار التجاذبات الداخلية او امتدادا لما يمكن ان تمثله ايران من مطامع على الصعيد الاقليمي.. ويمكن ان يكون هذا التطور ايجابياً في حال اخذت اللعبة الديمقراطية مداها في العراق. والاكيد ان الشرط الاول لذلك استعادة البلد توازنه وشعور كل مواطن فيه انه مواطن من الدرجة الاولى لا اكثر ولا اقل.. هل كثير على العراقي، اي عراقي ان يطالب بذلك؟
مشاهدة المزيد